Saturday, October 1, 2022

نحو الشروق

أسير في نفس الطريق منذ سنوات وسنوات، خطوات سريعة ونظرتي دائما للأمام أو للسماء تراقب حركة النجوم والقمر. قررت أن أنظر على يميني كان الرصيف يبدو مناسبا تماما ليحملنا معا. يبدأ الرصيف يحث ينتهي الشجر على جنابه ويتزين بورق الخريف المتساقط ثم تبدوا هناك مساحة مناسبة تماما لأبعادك. أظن بأني أتشوق للحظات الصمت أكثر من لحظات الكلام، فكلام نعرفه ونألفه ولشخص على وشك أن يتم الثلاثين يبدوا الكلام مكررا دائما. اتشوق لحظات الصمت يقاطعها حركة أقدامنا بين ورق الشجر، صوت الهواء يحاول أن يخترق المسافة الضيقة بيننا، والطريق يمتد أمامنا في رحلة تبدو وكأنها دائما في منتصفها. قد يقاطع لحظات الصمت واحدة من ابتساماتك أيضا، ابتسامة هادئة فلحظة امتنان او حب، أو أخرى في لحظة توتر. دائما ما كنت أسير في الليل وكأنه غطائي، لكن هذه المرة اجد نفسي أسير نحو الشروق. 

Monday, June 13, 2022

مطاردة جهة الغرب


 


يتكرر الأمر كل مساء. أخرج دون أن أُخبر أمي بوجهتي، أُخرج دراجتي القديمة من مخبئها أمام البيت واتجه غربا أطارد الشمس قبل حلول الليل. 

اصعد التل القريب من البيت ويُصيبني التعب قبل الوصول القمة فأنزل من فوق الدراجة وأجرها بجانبي وأبقى في نفس الاتجاه غربا نحو قمة التل. عندما أصل يبدو المشهد وكأنني أراه لأول مرة الشمس تبدو في المساء بلون بين الإصفرار والإحمرار تغرق في سماء زراق والليل يتمدد من جهة الشرق. للحظة لا يدري الناظر هل هي لحظة غروب أم شروق، هل الشمس تنزل أم تصعد للحظة يبدو كل شي هادئ ومتداخل.  

أبدأ رحلة العودة في الاتجاه المعاكس ، جهة الشرق. دائما ما يمر الوقت سريعا فوق التل والليل يسبقني في رحلة العودة. عندما أصل للبيت يكون الظلام قد ألتلف حول البيت ولكني أدرك تماما أن الشمس مازلت خلف التل.  


Wednesday, May 26, 2021

صفحة من يوميات عادية

                                                


يومياتي العزيزة،

 اليوم قررت تسجيل نهار عادي. قد يكون السبب هو النهار نفسه أو قد يكون هربا من تسجيل نهار غير عادي، مما سيتطلب من الكاتب اعترافات غير عادية قد تُستخدم في إدانته لاحقا في قضية ما أو في ليلة طويلة يحاول فيها الهرب من الأحداث غير العادية. أعود إلى أحداث النهار. اتجهت صباحا إلى وسط المدينة حيث المقاهي المفضلة لدي، والقهوة التي تشبه في مرارتها تلك الأيام التي قد لا تبدو سهلة ولكنها تدفعنا للحياة أكثر. كان الجو ربيعياً وهناك مطر خفيف فهو جو جميل بالنسبة إلى مدينة تقع في شمال أوروبا وقد يبدو الجو شتويا قليلا بالنسبة إلى المدينة التي أتى منها الكاتب. قطعت الميدان الواسع سريعا بدون سبب واضح، ربما توفيرا للعمر. وصلت للمقهى وبمجرد أن فتحت الباب حدث الموقف العادي الذي أردت تسجيله. 

 فتحت الباب وقبل أن أتم فتحه وجد جسد ضئيل يقف خلف الباب. سيدة عجوز تقف خلف الباب باسمة وممسكة بالباب. كنت على وشك ان أصدمها بالباب فتوقفت، ابتسمت وحاولت أن أعتذر بلغة قد تكون مشتركة بيننا. أتضح لي أنها لا تفهم تلك اللغة، وتتحدث لغة البلد، التي لا أعرف منها سوى كلمتي "أهلا" و"شكرا" ولم أشعر أنها الكلمات المناسبة في ذلك الموقف. قبل أن اتجه إلى القهوة، دار بيننا حوار سريع بدون كلمات وكأن أحدانا قال نكتة عن أني كنت على وشك أن اصدمها بالباب تبادلنا الابتسامات والنظرات الممتنة لذلك النهار الربيعي ورائحة القهوة التي تنتظرني. هل كانت تريد أن تحكي لي عن ابنها الذي في مثل حجمي وكان أطول من أبيه؟ ربما كانت تريد أن تخبرني عن زوجها الذي كان يأتي معها كل صباح ليتصفحا الجريدة اليومية. لم يحدث ذلك الحوار، فقط اكتفيت بابتسامة وحركات نحاول أن نتصاول بها دون لغة. لا أعلم لماذا، ولكن تلك المواقف العادية من التواصل البشري تجعلني دوما أشعر بشيء غير عادي اتجاه البشر واتجاه حياتنا معا على نفس الكوكب وكأن هنا شيء ما خفي يجمعنا كلنا بغض النظر عن اللغة والبلد. لثانية شعرت وكأنها جدتي بابتسامتها التي تجعلني أردد من دون أن اشعر بأن العالم بخير، ولا أخفي على يومياتي العزيزة أني أفتقد تلك الابتسامة كثيرا. 

 ربما للقصة بقية ولكني سأكتفي بهذا القدر، وحتى لقاء آخر في نهار أو ليل عادي.

Sunday, October 18, 2020

حوار بعوضتين

 


تسلل بعوضتان من شباك غرفة النوم في ليلة شتوية شديدة البرودة، ودار بينهم الحوار التالي.

البعوضة الأولى: هي إلى الداخل بسرعة، سنموت من البرد.

البعوضة الثانية: أو بالأحرى سنموت من الجوع قريبا، إذا لم نجد أي بشر.

البعوضة الأولى تصدر صوت "زن" عالي وتتحرك نحو ركن من أركان الغرفة: أنظري هناك رجل غارق في النوم وساقه ومكشوفة والعروق ظاهرة وكأنها تنادينا. يبدو من غطيطه أنه تعشى لحمة حمراء ستعجل من دمائه أجمل وجبة.

البعوضة الثانية لا تجيب وتتحرك في الاتجاه الآخر ويصدر عنها صوت "زن" هادئ: أنظري .. ذلك الضوء الأزرق اللامع !

البعوضة الأولى: ما به؟

البعوضة الثانية: أنه أجمل شيء رأيته في حياتي

البعوضة الأولى: أجمل من ساق هذا الرجل؟ أو السيدة التي تركتنا نعشى أمس من دماء يديها دون أن تحركها طول الليل؟

البعوضة الثانية: البشر في كل مكان ودمائهم سهلة، أما هذا الضوء يبدو شيء آخر. يبدو وكأنه باب لعالم مختلف.

البعوضة الأولى: أي عالم؟ هل سنجد ما نأكله ونشعر بالدفء هناك؟ ذلك الضوء يذكرني باللون الأزرق الذي نراه في السماء في الليلة شديدة المطر. أذكر أننا رأيناه أمس.

البعوضة الثانية: هل كل ما هو أزرق متشابه ؟ ثم الغرفة ليس بها أي مطر ولا برودة. نحن بالأحرى سنموت قريبا مثل كل البعوض، ماذا لو أن ذلك الضوء سيعطينا حياة جديدة؟ ماذا لو أنها بوابة لعالم البشر وسنصبح مثلهم خالدين ولا نموت في أسابيع قليلة كحالنا الآن؟

البعوضة الأولى: لا أعلم. كل ما أراه هو ضوء لامع مثل كل ضوء. أما ساق الرجل فهي ما أعرفه. طعامنا. ماذا لو كانت حيلة من حيل البشر؟ كتلك الشبكة التي يضعونها في غرفهم فلا نستطيع أن نصل إليهم. ألا تذكرين أمس عندنا رأينا بعوضة عالقة في واحدة منهم وماتت مكانها.

البعوضة الثانية: لم كل هذا الخوف؟ لو حدث أي شيء سنطير بعيدا. هذا الضوء الأزرق يبدو وكأنه هو باب عالم نحلم به ، هو أجمل شيء رأيته وأقرب شيء للحقيقة.

فجأة تظهر بعوضة ثالثة تطير وتزن بصوت عالي وهي تقول: أيها الحمقى لماذا تقفون أمام الضوء هكذا؟ سأقترب منه.

فجأة سمعوا صوت "زززز" وسقطت البعوضة ميتة بجانب الضوء.

البعوضة الثانية: من الواضح أنه يشبه ضوء السماء فعلا.

البعوضة الأولى: بل بالتأكيد أنه باب لعالم آخر ...

 

Tuesday, August 18, 2020

فرصة أخرى

 

رفع مستوى صوت مذياع السيارة لأعلى عندما سمع بداية الموسيقى الخاصة بإحدى أغانيه المفضلة. فتح النافذة الأمامية وأشعل سيجارة وهو يدندن مع الأغنية. لم يشعر أن سرعة السيارة تزداد إلا عندما تفاجئ بسيدة كبيرة أمامه تتبع شاب وهم يحاولون أن يعبروا الطريق السريع. حاول ان يتفادى الاصطدام بهم ولكن سرعة السيارة كانت عالية جدا وفجأة شعر بكل يدور حوله وبدأت السيارة في الانقلاب. لثواني قليلة لم يشعر بأي شيء وكأن الظلام والصمت يحطان به لدقائق قليلة. فجأة ظهر شخص أمامه.

-        الشخص الغريب: أهلا يا "كريم" ، لقد جئت لأعطيك فرصة أخرى.

-        كريم: ماذا يحدث؟ هل أنا أحلم؟ أم هذه دعابة من نوع ما أو برنامج تلفزيوني؟

قالها وهو يتحسس جسده ويتأكد من أنه موجود بالفعل وأن جميع أجزاء جسده موجودة وبخير.

-        الشخص الغريب: أمامك فرصة سهلة للنجاة من ذلك الحادث.

أخرج ذلك الشخص ورقة بيضاء صغيرة من جيبه ووضعها أمام كريم.

-        الشخص الغريب: الشروط سهلة، عليك أن تكتب جملة واحدة على تلك الورقة وتضعها على الطاولة بجانب باب الشقة. وسيبدأ اليوم من جديد ومن المفترض أن تكتب جملة واحدة تمنعك لاحقا من ارتكاب ذلك الحادث... ولكن لا يمكنك أن تكتب أي شيء عن الحادث نفسه أو أن تكتب أي شيء يُظهر حقيقة شخصك أو بمعنى آخر ينبغي أن تظهر الجملة وكأن شخص آخر كتبها.

ساد الصمت للحظات وكريم يحاول أن يفهم حقيقة ما يحدث ومازال على يقين أنه يحلم أو عنها مزحة ثقيلة .. ثقيلة جدا.

-        الشخص الغريب: هل أنت مستعد؟

-        كريم: أنا لا أصدق ما يحدث

-        الشخص الغريب: هل ترفض فرصة ثانية لتصلح خطئك؟

صمت كريم لدقائق وأشار له بالموافقة وأن يعطيه الورقة وقلم لكي يكتب جملة ما. ظل يفكر لما يقارب الساعة في تلك الجملة التي قد تمنعه من أن يرتكب ذلك الحادث. لم يفكر في شيء سوى أن يكتب رسالة لتبدو أنها من زوجته تخبره فيها أن تنظره وأنها تحبه وعليه أن يتوخى الحظر أثناء قيادة السيارة ليعود لهم سالما. كتب الجملة وطوى الورقة وأعطاها للشخص الذي يقف أمامه.

-        الشخص الغريب: حسنا، لن أقرأ ما كتبت، ولنرى النتيجة معا.

فجأة وجد كريم نفسه في منزله وكاد أن يركض نحو غرفته قبل أن يمسك به الشخص الغريب ويخبره أنهم هنا فقط للمشاهدة ولا يمكنهم تغيير أي شيء. وضع الرسالة في المكان المتفق عليه. وانتظروا استيقاظ كريم الآخر. بعد دقائق رأى نفسه وهو لا يكاد يصدق الأمر، رأى نفسه يستعد للخروج. عندما أمسك الورقة ، تسارعت دقات قلب كريم الأول وشعر بالقلق، ورأى نفسه وهو يبتسم ويقبل الورقة ويضعها في جيبه ويخرج. وكأن شيء لم يكن، الأغنية نفسها في المذياع، يفتح النافذة، يدخن السيجارة، والسيارة تنقلب.

عادو لنفس الغرفة ومرت ساعات طويلة وكريم يحاول كتابة جمل أخرى كثيرة، مرة على لسان زوجته ومرة وكأن الكاتب هو أولاده الصغار ، حتى أنه حاول أن تكون الرسالة من أمه ولكن لا فائدة. شعر الشخص الغريب أن كريم بدأ يستسلم.

-        الشخص الغريب: حسنا، سأعطيك نصيحة غالية. إن كنت تريد أن تكتب جملة وتغير الأمور فعلا عليك أن تتعمق بداخل عقلك وقلبك. عليك أن ترى حقيقة نفسك، أن تتبع المناطق المظلمة بداخلك، تتذكر كل ماضيك ، مخاوفك، أحلامك، كل شيء وكل شخص أحببتك وكل شيء وكل شخص كرهته. عليك أن تستجمع نفسك وتصل لتلك الكلمات التي ستغير عقلك وقبلك. المهمة ليست سهلة ولكنها فرصة أخرى للحياة...

صمت كريم تماما طوال ست ساعات يفكر فيما قاله ذلك الشخص الغريب، يحاول أن يطارد أفكاره، يحاول أن يجد تلك الكلمات التي ستغير كل شيء. ظل يفكر ويفكر .. وفجأة انتفض في مكانه وانطلقت منه صرخة صغيرة وكأنه أستطاع أن يصل لما يبحث عنه، لتلك النقطة بداخله التي لم يستطع أن يصل إليها في حياته كلها ولكن ربما يصل إليها في فرصته الأخرى.

كتب الجملة بكل حماس وطوى الورقة وأعطاها للشخص الغريب وهو يقول له أن يشعر أن الأمر سينجح هذه المرة. وجد كريم نفسه مع الشخص الغريب مرة أخرى في منزله. وعندما قرأ كريم الآخر الورقة ظهرت علامات التعجب على وجهه هذه المرة. لم يشغل المذياع  بل أختار هو أغنية معينة لها موسيقى هادئة وفتح النوافذ كلها وأشعل سيجارة وتوقف لشراء كوب قهوة وكان يقود هذه المرة بهدوء تام ويتلفت على جانبي الطريق وينظر على كل كوبري يمر بجانبه أو من تحته. وعندما وصل للسيدة والشاب كانت السيارة تمشي ببطء فتفادهم بسهولة.

نظر كريم للشخص الغريب وهو يبتسم والشخص الغريب يكاد لا يصدق أنه نجح بالفعل. فسأله أن يريه تلك الورقة فوجد مكتوب فيها:

" خلي بالك في رادار على الطريق"  

نظر لكريم في دهشة. فقال له كريم: "انت عارف المخالفة بكام دلوقتي؟"

 

Saturday, May 16, 2020

مكتبتي وحادثة الخيانة




الأمر كله بدأ وانا ما زلت طفل صغير عندما أعطتني أختي رف في مكتبتها لأضع فيه كتبي العزيزة والتي كانت تعد على أصابع اليد واشترت لي هي معظمها. وتطور الأمر بعد سنين قليلة وخلال دراستي الإعدادية حصلت على مكتبتها القديمة والتي كانت تتكون من أربع رفوف صغيرة وبعد ذلك خلال الدراسة الثانوية أشترى لي أبي مكتبة تشبه القديمة كثيرا ولكنها أوسع وتتسع لكتب أكثر. في تلك الفترة بدأ تعلقي بالمكتبة والكتب والقراءة يزداد. وكانت مكتبتي مشروع عائلي أيضا، فأمي كانت تساعدني بإمدادات مالية قبل معرض الكتاب الذي أتشارك رحلته مع أخي وأختي. أتذكر أني قرأت يوما أن ترتيب الكتب في المكتبة هو نوع من الفلسفة. وقد بدأت ذلك النوع من الفلسفة في ذلك الوقت.  واستمتعت بها أكثر خلال الدراسة الجامعية عندما طلب أبي من نجار أن يصنع لي واحدة من تلك المكتبات الكبيرة التي تسكن حائط بأكمله تشبه كثيرا مكتبة أختي ولكنها تتكون من قطعتين منفصلتين بدلا من واحدة كبيرة. أصبح لدي رفوف واسعة وكثيرة هذه المرة تسمح بكثير من الفلسفة. فمثلا أضع كتب توفيق الحكيم بجانب نجيب محفوظ فلكل منهم فلسفته وعبقرية خاصة ولكنهم متفقين بالنسبة لي في المكانة.  أضع روايات رضوى عاشور بجانب رواية زوجها مريد البرغوثي وبجانبهم "رجال في الشمس" لغسان كنفاني فهم أصحاب قضية واحدة. 

أذكر أنه كان لي تجارب قليلة مع قراءة الكتب الإلكترونية عندما لم أجدها متاحة ورقية أو عندما أردت أن أقرأ في المواصلات وبالأخص خلال الليل. أتذكر قراءاتي لروايات نجيب محفوظ ومسرحيات توفيق الحكيم خلال رحلة المترو الأسبوعية. كانت وسيلة جيدة لتخفيف رحلة نهاية الأسبوع. لكني لم أشعر أبدا أني تخليت عن مكتبتي لأن هذه الكتب إما أملكها بالفعل أو لا أجد لها طبعة ورقية في الأسواق. وكانت مرات قليلة على أي حال.

الأزمة حدثت مؤخرا. عندما سافرت بعيدا عن مكتبتي ولم أستطيع سوى حمل كتابين أنهيتهم في الأسابيع الأولى واكتشفت المشكلة. فالمشكلة أنني كنت بحاجة إلى كتب أكثر خصوصا أن المكتبات في البلد الجديدة ليس بها كتب باللغة العربية والكتب باللغة الانجليزية قليلة جدا. لم أجد حل سوى الكتب الإلكترونية واكتشفت انه يمكن تحميل Kindle  كتطبيق على الهاتف وليس علي شراء الجهاز وأصبح أمامي تشكيلة لا نهائية من الكتب العربية والإنجليزية بنسختها الأصلية. شعرت بتلك المتعة التي كنت أشعر بها وأنا أختار وأرتب الكتب الجديدة في المكتبة في البيت وشعرت بخيانة اتجاه مكتبتي القديمة لأنه أصبح لدي مكتبة أخرى جديدة. أظن بأن الحل الوحيد لتلك الأزمة هو شراء كتب جديدة لكلا المكتبتين على حد سواء ولكن في الحقيقة يبقى قلبي معلق بالمكتبة القديمة والكتب الورقية، حيث تشعر بالكتاب بين يديك ورائحة الورق وتشعر بالحزن عندما ترى الورق المتبقي في الكتاب أصبح قليل وقريبا ستفارق صديق عزيز، حيث تشاهد الكتب وأغلفتها متراصة في هدوء وجمال، لا أظن بأن هناك شيء سيبدل كل ذلك.

 


Monday, May 4, 2020

عن الرجال والبنادق لغسان كنفاني



انتهيت لتوي من قراءة المجموعة القصصية لغسان كنفاني وأخذ الكتاب على الفور مكانة خاصة في قائمة كتبي المفضلة. عادة أقيس مدى إعجابي بالكتاب بالمدة التي أنتهي منها في قراءته وعندما بدأت في قراءة الكتاب كنت أنوي قراءة قصة واحدة ولم أستطع أن أتوقف عن القراءة إلا بنهاية الكتاب. أتفق مع أحد التعليقات التي قرأتها عن الكتاب أن تلك القصص تعد سببا أو تفسيرا عن قيام الاحتلال باغتياله. تلك القصص تعد مقاومة في حد ذاتها فهي حقا قصص "عن الرجال والبنادق". فالقصص تؤرخ قضية وتؤرخ مقاومة أصحاب حق وأصحاب أرض ، كما أنها تؤرخ ألم وشتات.
أشعر بأن لدي الكثير من الكلام عن الكتاب ولكني لا أجد أبلغ من الكتاب نفسه. فالكتاب يحمل حياة مجموعة من رجال، حياة كاملة وليست قصص قصيرة ، يحمل قصة بندقية، قصة مفتاح ثقيل يشبه الفأس، قصة الجوع وسنوات الاشتباك، قصة الجد والأب والابن والأم والأخت. رحمة الله على الكاتب المقاوم غسان كنفاني.

Sunday, November 17, 2019

السيدة مالين – الجزء الأول



بمجرد أن أغلق الباب شعر وكأن الشقة أصبحت أوسع، أوسع مما يجب. ذلك الهدوء الزائد يجعله يفكر أكثر من المطلوب ويتساءل لو أنه تسرع في يعيش وحيدا، وليس فقط وحيدا ولكنه وحيد في بلد غريبة وبعيدة عن مدينته. حاول أن يشغل نفسه بأن يفرغ الحقائب ويضع كل شيء في مكانه، ولكن ذلك الشعور الغريب الذي بداخله بدى وكأنه مرض يتفشى في داخله. قرر أن يعود للفندق الذي نزل به قبل أن يقوم بتأجير تلك الشقة وبرر ذلك لنفسه أنه الشقة ليست جاهزة بعد، والتأجيل بالطبع ليس له علاقة بالشعور الغريب الذي ينتابه. انتهى من ترتيب أشيائه ليلا وقرر أن يغادر الشقة ليعود للفندق. وهو في طريقه للباب الخارجي قابل سيدة عجوز في الممر الذي بين باب الشقة والباب الخارجي. حاول أن يشرح لها أنه المستأجر الجديد للشقة ولكنها بدت أنها لا تفهمه ويبدو أنها لا تتحدث إلا لغة تلك البلد الغريبة ولا تعرف شيء عن اللغة الإنجليزية. هرب من المكان خوفا من تظن السيدة أنه 
شخص جاء ليسرق البيت. بات هذه الليلة في الفندق، وبعد يومين لم يجد مفر من أن يقضي أول يوم في الشقة الجديدة وحيدا.
مر نهارأول يوم بسلام وقبل غروب الشمس بقليل، لمح شبح شخص يمر من أمام نافذة المطبخ، ثم سمع طرق خفيف على الباب. نظر من خلال ثقب الباب فوجد سيدة عجوز. تفاجئ وازداد ذلك الشعور الغريب بداخله أكثر. فهو شخص مجهول بالنسبة لسكان هذه المدينة. واستعد لأن يسمع جمل عن أنه لا ينتمي لهذا المكان وربما يسمع بعض التهديدات. ولكنه تفاجئ بالعكس تماما، وجد سيدة عجوز هادئة، تسأله أسئلة كثيرة بلغة البلد التي لا يفهم منها شيء. لم تعطه فرصة أن يشرح لها أنه لا يفهم حرف مما تقول ولكنها كانت تبدو انها تدرك ذلك، ولعلها شعرت بأنه لا بأس بقصة أو اثنتين حتى لو لم يفهم شيء. بدأت وأنها تحكي عن المكان وربما ترحب به أو تحكي عن أولادها التي سيعرف لاحقا أنهم ثلاثة. لم يستطيع ان يقطع حديثها ولكنه وقف مستمع وحاول أن يستخدم هاتفه لكي يترجم الحديث ولكن السيدة العجوز لم تفهم الأمر. اكتف بابتسامة وهي ردتها له بابتسامة أخرى أكثر دفئا. ودعته وتركته وفتحت الباب المقابل له ودخلت شقتها.  عندما أغلق الباب اكتشف ان هناك دفء تسلل من الباب بالرغم من برودة الجو. شعر للمرة الأولى أن تلك الشقة الصغيرة قد أصبحت بيته الجديد.  لم يعرف أسم جارته ولم يعرف أي شيء عنها تقريبا ولكنه شعر بأن لديها الكثير من الحكايات التي يود أن يسمعها فتلك السيدة قدمت له هديته غالية وجعلته ينام تلك الليلة مرتحا. 


Wednesday, July 17, 2019

لقاء



لم يقطع ذلك الصمت الرهيب سوى صوت الماء وهو يغلي. كانت تجلس أمامه وكأنها تجلس أمام شخص غريب. أستأذنها وقام ليصب الشاي. دارت هي بعينيها في المنزل فهناك شيء ما منعها من أن تقوم وتدور فيه، وشيء أقوى منعها من أن تدخل غرفتها القديمة. لعلها شعرت وكأنها ستجد تلك الفتاة الصغيرة جالسة على سريرها تأن وتتوجع وتبكي دون أن يصدر عنها صوت مسموع وعلامات الضرب بادية عليها. كانت الجدران كئيبة كما تركتها والشبابيك يعلوها التراب. كل شيء كما هو، تماما كآخر زيارة لها منذ خمس سنوات عند مرض أمها وقضت في ذلك المنزل شهر كامل حتى رحلت أمها ورحل معها كل أسباب بقائها في ذلك المنزل. ومع رحيل أمها بدأت المشاكل مع زوجها أيضا فكيف لها أن تقضي شهر كامل بعيد عن منزلها وتترك زوجها وحيدا، خمس سنوات شعرت بنفس الألم القديم مع اختلاف صوَره. انتهى كل شيء مع زوجها منذ أيام قليلة عندما أكتشف أنها لا تنجب ولم يجد أي سبب إذا في بقائهم معا وأخبرها أنه ليس لها حق في الشقة ولن يعطيها سوى سيارة قديمة ومبلغ صغير من المال مقابل "العِشْرة" التي بينهم وأن عليها أن تبحث لها عن حياة أخرى بعيدا عنه.
عاد أبيها وهو يحمل أكواب الشاي. تأملت وجهه، كانت السنوات الخمس واضحة عليه وعلى تلك التجاعيد الجديدة. ولكن شيء ما تغير لم تدرك ما هو بعد. بدأت هي الكلام قائلة:
- شكرا يا بابا، مكنش له لزوم التعب.
- تعب ايه بس يا لبنى، كفاية الانتي فيه.
- معلش ، انا مكنش عندي أي مكان تاني أروحه. انا هقعد هنا يومين لحد ما اظبط مكان مع واحدة صاحبتي وكلمت حد هيشوفلي شغل تاني مع شغلي وربنا يسهل.
- متقوليش كده يا بنتي ، ده بيتك وانا باخد ايجار الشقق في العمارة بيكفيني وزيادة اوي، فخليكي هنا.
سمعت هي جملة أبيها وكأنها لم تعني لها أي شيء. كانت تشعر وكأنها طائر محاصر قد انهكته الهروب الدائم ممن يريد افتراسه. سمعت صوت دقات ضعيفة على الباب ووجدت أبيها يقوم سريعا وهو يقول: "ده أكيد محمد". ووجدت ملامح أبيها تتغير وارتسمت على وجهه ابتسامة لم ترها من قبل. فتح الباب فدخل صبي صغير وحضن أبيها حضن لم تنله هي كثيرا عندما كانت في سنه، وأخرج أبوها مبلغ من المال من محفظته وأعطاه له وهو يقول: "متقولش لأبوك بقى". ثم عاد وجلس أمام أبنته أخبرها أن هذا الصبي هو محمد حفيد الحاج مصطفى جارهم في الدور علوي وأن أبنه هو من يسكن البيت الآن. شعرت هي بحيرة كبيرة وهي تتذكر كيف أن أبيها لم يكن يتحمل لعبهم وهم صغار هي وأخوها. ولم يفرق بينهم الاثنين، لا الولد ولا البنت فكلاهما نال حظه من المعاملة السيئة. فحتى في مرض أمها لم يتحمل صراخ حفيدته، أبنة أخوها محمود، والذي أقسم بعد وفاة والدته ألا يدخل هذا البيت من جديد. شيء ما بدا غريبا في أبيها غير علامات السن التي تبدو طبيعية مقارنة بالأشياء الأخرى. سألها عن حالها، وعن حال محمود أخوها وأنه لم يعرف شيء عنهم برغم محاولاته للوصول إليهم. وبالطبع خص بالذكر محمود وأنه يعرف أنه قد سافر وحصل على عنوانه ورقم تليفونه وحاول الاتصال به دون جدوى، بل وأرسل إليه بخطاب. وكان يحاول أن يمازحها بشأن إرساله لخطاب وكأنه يعيش في عصر قديم ولكنه بدى وكأنه يخفي ألم أكبر، هل يكون ذلك ألم إنكار ابنه الكبير وجوده؟ ظهر ذلك السؤال الغريب في رأسها وهي تنظر إلى الأرض وتتذكر عندما أخبرها محمود بشأن الخطاب وأنهما ضحكا بخصوص ذلك ولم يفكرا حتى في الرد. بعد ذلك حدث شيء أكثر غرابة، قام أبيها من مكانه وتوجه نحو خزانة قريبة وأخرج صندوق لم يكن عليه أي تراب وبدا وكأنه يخرجه كثير من ذلك المكان. فتح الصندوق وأخرج صور لهم كثيرة وأشياء احتفظ بها من طفولتهم وأخذ يحكي قصة كل صورة وكل ورقة في ذلك الصندوق ويتوقف من الوقت للآخر ليداري دموعه التي لم ترها أبنته في حياتها أبدا. لم تستطع هي أن تفعل الأشياء التي يفعلها الأولاد لآبائهم في تلك المواقف، لم تستطيع أن تحتضنه وأن تقبل رأسه وتخبره أنه كان أفضل اب في الدنيا وأفضل صديق وأفضل أخ ، لم تستطع ذلك أبدا. ولكنها فعلت شيء آخر جديد عليها، استمعت لكل كلمة يقولها ولأول مرة كانت تستمع له بقلبها وليس بأذنها فقط هروبا من العقاب. فجأة لمعت عيناه وكأنه وجد شيء ثمين، أخرج سلسلة ذهبية من صندوق صغير، وقال وهو يبتسم:
- دي أخر هدية جبتها لأمك الله يرحمها، أول ما عرفت بمرضها نزلت يوميها بليل جبتها ليها، كان نفسها فيها من زمان وانا كنت بفضل اتحجج بأي حاجة، بس ساعتها حسيت انه خلاص مفيش حجج. انا فاكر كانت مبسوطة بيها ازاي الله يرحمها وقالتلي كنت خلي الفلوس دي للعلاج ولا للعيال .. وبعد ما قالت العيال سكتت كده وانا عارف هي سكتت ليه ..
هذه المرة لم يستطيع أن يداري دموعه انطلقت وكأنه هو الطفل الذي يختبئ من الغرفة، ولكن الألم هذه المرة يأتي من أشياء كثيرة ويأتي من سنين طويلة. وجدت نفسها لأول مرة ترتمي في حضنه وهي تقول:
- هو ايه الحصل يا بابا؟
- مفيش يا بنتي، كنت فاكر انا كده هطلعكو للدنيا ناشفين، وبعد ما أمك الله يرحمها تعبت ، لقيت نفسي لوحدي. مكنتش عايز أعيش، وبعدين الواد محمد الشفتيه ده لقيت أهله بيسبوه معايا من وهو في اللفة، وكبر على أيدي وحبيته وخفت عليه بس عمري ما زعلته وبعدين أفتكرت انا عملت معاكم ايه ، بس واضح انه كان متأخر أوي.
لم يشعرا بالوقت يمر، لأول مرة لا يبدوا الوقت أبطا من المعتاد وهما يجلسان وحيدان. كانت تدري بأن بعض الجراح القديمة لن تلتئم قريبا ولكن الوقت قد لا يمهلها أن تلتئم ففضلت أن تبقى في هذا الحضن الغريب الذي يبدو لأول مرة مألوفا لها. 


Sunday, July 7, 2019

جار جديد

بالرغم من أن اليوم في منتصف الشتاء إلا أن ذلك لم يمنع الشمس أن ترسل بعض الدفء إلى شرفته التي كان يستند إلى إحدى حوائطها. يضع كوب القهوة في طاولة صغيرة أمامه وبجانبها الراديو الصغير الخاص به وتنبعث منه صوت موسيقى هادئة تكاد تكون غير مسموعة. كان يقرأ إحدى الروايات التي يود أن يقرأها في هذا الشهر. وضع الكتاب بهدوء بجانب كوب القهوة وهو يتساءل كيف للكاتبة أن تجعل النهاية سعيدة إلى هذا الحد وشعر وكأنها أفسدت الكتاب بتلك النهاية. قطع روتين يوم إجازته صوت سيارة نقل كبيرة تقترب من باب البيت ووقفت بجانب العمارة المقابلة لشرفته ونزل منها ثلاثة رجال ووقفوا ينتظرون شخص ما. جاءت هي خلفهم بسيارتها الصغيرة ووقفت أمام السيارة النقل ونزلت وهي وتبحث عما يبدو عن مفاتيح المنزل وهي تشير لهم أن هذا هو المكان وبدأ الجميع بالتحرك لنقل الأثاث من داخل السيارة إلى الشقة. خرج البواب مسرعا من مدخل العمارة وبدا أنه يرحب بالسيدة ترحيب حار. لأول مرة منذ أن بدأ عمله وسكن هذه الشقة – منذ عامين تحديدا – ينفتح باب الشرفة المقابلة لشقته وظهرت هي من خلف الباب. انعقد لسانه وشعر وكأن الكلام قد تبخر من عقله، ومن الواضح أنها شعرت بالحرج فبادرت هي بالحديث وقالت تبتسم:
- صباح الخير، انا جارتكم الجديدة ان شاء الله  
فرد هو سريعا وهو يحاول أن يصلح الأمر:
- صباح النور، حمدلله على السلامة. محتاجين مساعدة أو حاجة؟
ابتسمت من جديد وقالت:
- لا شكراً
وأسرعت للداخل وهي تتحدث لحد الرجال وتشير له بأن يضع قطعة من الأثاث في مكان ما في الغرفة.
دار بنظره في شرفته سريعا فوجد في الركن نباتات يبدو بأنها ماتت منذ وقت طويل والتراب يغطي كل شيء، وتساءل منذ متى والشرفة بهذا المنظر القبيح. أنتظر ان تغلق هي باب الشرفة وقام بتنظيف شرفته سريعا وقام بتغيير كرسيه القديم بآخر جديد كان اشتراه لمكتبه بالشقة وفي صباح اليوم التالي أشترى نبتة جديدة وبعض الزهور ووضعهم في الشرفة، صادف ترتيبه للزهور خروجها من جديد. تظاهر هذه المرة أنه لم يسمع صوت باب الشرفة ولم يرها تخرج، فضل ذلك على أن يعود إلى ذلك الحرج من الجديد. فجأة سمع صوت شيء يسقط من شرفتها وتبعه صوت شيء ينكسر. نظر بسرعة فوجد أنها هي الأخرى كانت تحاول أن تثبت وعاء به زهور على سور شرفتها ولكنه سقط منها. لاحظ ضيقها من الأمر ودخلت مسرعة إلى شقتها. انتهز هذه الفرصة وأخذ زرعته الجديدة وذهب إلى شقتها، وقف أمام الباب وهو يرتب ما سيقوله ، فجأة يفتح الباب وتخرج هي مسرعة وكانت على وشك أن تصطدم به ليقول هو بسرعة:
-احم ، انا جارك هنا
تفاجأت من وجوده، قبل أن تتحول تعابير وجهها وتبتسم عندما تلاحظ النبتة في يده وتفهم لماذا جاء.
- اه، اهلا وسهلا، محتاج حاجة؟
- لا انا شفت الزرعة وقعت وانا كان عندي الورد ده فقلت يبقى هدية الشقة الجديدة
ابتسمت ابتسامة عريضة واخذتها بسرعة قبل أن تشعر بالحرج وتقول:
-معلش اخدتها بسرعة، الورد شكله جميل، بس خليه عندك في البلكونة أحسن
-لا منا هقدر اشوفه من عندي في البلكونة وعلى الأقل هتفتكري تسقيه كل يوم
ظل واقف على باب البيت ساعتين كاملتين يتبادلان الحديث عن كل شيء بداية من السبب مجيئها إلى تلك المدينة لتعمل كمعلمة بالمدرسة مرورا بعمله ككاتب في الجريدة الصغيرة التي بالمدينة ووصولا إلى كل القضايا الفلسفية الهامة وعندما لاحظ أن الشمس بدأت تغيب والليل يقترب أستأذن قائلا
- أنا هرجع الشقة، مش عايز أعطلك
وتبادلا ابتسامة من القلب فكلاهما أدرك أنهم قد تعاطلا بالفعل. مرت الأيام سريعا وهما يتبادلان الحديث من وقت للآخر وكل هما يجلس في شرفته ، كانت الشرفة هي مكان لقائهما.
حتى حدث مشكلة في عمله وأضطر إلى أن يحل محل صديق له لتغطية حدث في مدينة بعيدة وعليه السفر أسبوعا كاملا، عاد إلى البيت وأنتظر في الشرفة ولكن يبدو أنها تأخرت في المدرسة. كان عليه أن يرحل في ذلك اليوم وشعر بالضيق من أنه لم يودعها ولكن لم يجد مفر من ذلك. مر الأسبوع بطيئا عليه وأول شيء فعله عندما عاد إلى البيت هو الخروج إلى الشرفة ولكنه لم يجدها أيضا. مر يومان ولم تظهر، وأخيرا عندما وجد الباب ينفتح كان البواب ودخل وسقا الزرع ودخل من جديد. أستغرب الموضوع كثيرا، هل رحلت؟ وشعر بغبائه أنه لم يسألها عن رقم تليفونها أو عنوانها أو أي وسيلة أتصال بها. نزل من بيته وهو يسير بخطوات بطيئة ، وعندما وصل إلى شقتها طرق الباب ولكن لم يجيب أحد. سئل البواب عن سر اختفاء السيدة فرد عليه:
- والله مش عارف، هي قالتلي أهم حاجة أسقي الزرع كل يوم وأنضف البلكونة وأنها هترجع قريب، غير كده معرفش.
- وفلوسك طيب بتاخدها ازاي؟
- هي دفعتلي الشهر مقدم، وأبوها الله يرحمه خيره عليا كتير فكأن فلوس كل شهر وصلت.
كان يود أن يسأله عنها أكثر ولكنه شعر بأن الأمر سيبدو غريبا فشكره وأنصرف.
كان يوم إجازته هذه المرة بارداً ولكنه أصر أن يخرج كعادته للشرفة وضع القهوة والراديو في مكانهم وبدأ في القراءة. لاحظ عصفور صغير طار من على السور أمامه إلى الشرفة المقابلة ووقف على الزهور الخاص بها - أو به. ابتسم ابتسامة صافية، وعدل من مكان نباتاته ووضعها في الشمس وتأكد من نظافة شرفته. وقال لنفسه وهو يضع الكتاب على الطاولة بعد أن أنهاه:
- النهاية سعيدة برد ... بس مش مشكلة المرة دي.

Thursday, June 13, 2019

أيهما أصعب سمكة بدون بحر أم بحر بدون سمك؟



للوهلة الأولى تبدو الإجابة واضحة ومنطقية. فالسمك يموت خارج البحر، قد يبقى لفترة تطول أو تقصر ولكنه في النهاية و على الأرجح في دقائق قليلة سيموت ولكن هل معنى ذلك أن موقفه أصعب من البحر؟ الإجابة هي لا.
السمك عندما يخرج من البحر يعلم تمام العلم أنه سيموت أو بالأحرى أنه بدأ في ذلك بالفعل، قد يحاول النجاة وذلك بطريقة واحدة وهي العودة للبحر أو قد يسلم وينتهي الأمر ويودع ما يستطيع توديعه ويتلو صلواته الأخيرة ويستعد للرحيل.
أما البحر بدون السمك فسيفاجئه سؤال صعب ، "ما فائدة كل ذلك؟" ما فائدة الماء والموج والشواطئ والرمال إن كان ليس هناك ساكن لها، ما فائدة مداعبة القمر ليلا بمد وجزر إن كان الأمر بدون مشاهدين. سيكون الأمر وكأنه يموت كل ليلة ولكنه عليه أن يحيى ذلك الموت كل ليلة، عليه أن يعيش مع ذلك الصمت الذي يمتد بامتداد مياهه. وستبدو الأمواج وهي تعود إلى شاطئ كمسافر بعيد أتى ولكنه لم يجد من يرحب به وسيرحل بدون أن يجد مودع له. ويبقى أمله أن تتسلل سمكة وسط هذا الصمت لتقطع ليالي الموت الطويلة وتجعل من كل ذلك فائدة.
ذلك الإجابة دائما البحر بدون سمك أصعب مئات المرات من سمكة بدون بحر

Tuesday, April 9, 2019

ندبة


استيقظت في موعدها في تمام السابعة وبالرغم من أن أمامها أكثر من ساعتين لتصل لمكان علمها الذي يقع مسافة قريبة من منزلها إلا أنها تعلم أنها ستصل متأخرة على أي حال. قامت من فراشها ببطيء، لم يكن ذلك الجزء الأصعب من بداية اليوم. الجزء الأصعب يكون ما بين المنزل والمكتب ثم طريق العودة من المكتب إلى المنزل مرة أخرى. ببساطة الجزء الصعب يكون حينما تقابل الناس. سمعت صوت رنين  تليفونها المحمول بجانب فراشها، أسرعت لترد:
- ألو ، ماما ، صباح الخير
- صباح النور، عاملة أيه أنهاردة؟ متنسيش تفطري قبل ما تروحي الشغل
- حاضر يا ماما
- ومتنسيش فرح صحابتك انهاردة
- مش عارفة هعرف أروح ولا لأ حاسة أني تعبانة
تقول أمها بنبرة مازحة: - انا هكلمها أقولها أنك بتدلعي ومش عايزة تشوفيها يوم فرحها.
وقفة أمام المرآة أكثر من نصف ساعة كعدتها، تحاول أن تخفي تلك الندبة التي تغطي جانب وجهها وتشعر وكأنها تكبر كل يوم. كم تتمنى لو أنها لم تخرج من منزلها يوم الحادث ولكن حدث ما حدث والآن عليها أن تخفي أثاره. تحرك شعرها يمين ويسار وتحرك خصلات معينة لتستقر وتغطي الندبة تماما. هي تكره أن يكون شعرها بهذا الشكل، هي تريد أن تربطه وتقوم بتجميعه خلف رأسها ولكن ذلك يعني أن تظهر الندبة كاملة وحينها تشعر وكأنها تقف في متحف وجميع يريد أن يشاهد المنظر العجيب.
خرجت إلى الشارع مسرعة تحاول أن تصل إلى مكتبها حتى تتأخر أكثر من اللازم. جلست في مكتبها طوال اليوم تقوم بأعمال الترجمة المطلوبة منها، لم يقطع ذلك سوى اتصال صديقتها.
- ألو..
- بقى انتي بقى مش عايزة تيجي فرحي؟
ضحكة صغيرة ثم: - والله كنت عاملة حسابي آجي ونزلت أشتريت الفستان أمبارح وقعدت سنة لحد ما لقيت واحد حلو. بس انت عارفها بقى من ساعة العملية ...
قاطعتها صديقتها بصوت حاد: - عملية أيه؟ كفاية دلع! انتي مش عايزة تشوفي حد، بس ده فرحي ولو مجتيش متكلمنيش تاني ولا أقولك ومجتيش مش هتجوز.
ردت مرغمة: - حاضر حاضر

غادرت عملها مبكرا حتى تستعد لذلك الكابوس الذي أرغمت عليه، فأي شيء أسوأ من حضور مثلك ذلك الحدث لكي تتذكر أنها لم تعد كما السابق أو الأسوأ أنها لم تعد مثل الجميع. عادت من جديد أمام المرآة بعد أن أردت الفستان وقفت لدقائق تشاهد شكلها بالفستان والتي اختارته بعناية شديدة لأنها تريد أن تبدو جميلة في ليلة من المفترض أن تكون سعيدة. غادرت المنزل وهي تحاول أن تخفي أي آثار للدموع التي فوجئت بها وتلقي نظرة أخيرة على الفستان ولكنها لم تستطيع أن تخفي الندبة تماما.
وصلت لمكان العرس وسلمت على صديقتها وجلست على طاولة جمعت أصدقاء الجامعة. كان عليها أن ترد على سيل من الأسئلة عن الحادث والعملية وما إن كانت ستقوم بعمليات تجميل –وكأنها لم تفكر في ذلك- كان عليها أن تجيب على كل هذه الأسئلة كما لو أنها في تحقيق. انتهزت فرصة قيام الجميع إلى مكان تناول الطعام لكي تخرج خارج القاعة هربا من الأسئلة والنظرات. وجدت نفسها تقف في الشارع بدون أي سبب مقنع فحاولت أن تتظاهر بأنها تقوم بعمل أتصال تليفوني. لاحظت ان هناك شابا يقف على الجهة الأخرى من مدخل القاعة ويبدو أن خرج لكي يدخن السجائر. كان بإمكانها أن تشعر بنظراته نحوها. حاولت أن تتجاهل الأمر ولكنه أقترب منها فشعرت بتوتر كبير فهي لا تتذكر آخر مرة تحدثت فيها إلى شخص غريب وبالأخص شاب في مثل عمرها، وكانت تفكر لو أنه هو الآخر سيسأل عن الحادث!
- يا آنسة
- نعم؟
-ليلى صح؟
- اه، انت مين؟
- انا ماهر، كنت حضرت معاكي ورشة الترجمة من سنتين وكانت صاحبتك العروسة معانا كمان.
- آه افتكرت
لم ترد على كلامه فحاول أن يقطع هو ذلك الصمت:
- الكتاب ده وقع منك وانتي بتطلعي التليفون
وانحنى ليلتقط الكتاب واعطاه ولها، ولكنها لم ترد وتظاهرت أنها تكمل حديثها في التليفون.
وجه حديثه لها من جديد وهو مبتسم: - انا مش عارف مين بيروح فرح بكتب .. وقبل أن ترد عليه وكان على ثقه بأنه سيسمع كلام لن يعجبه،  أكمل حديثه – بس هي رواية جميلة بصراحة ، لو كان فرحي انا كان ممكن اخدها عادي .
لم تستطيع أن تقاوم الابتسام وتعجبت من أن نظرته بدت وكأنها تراقب ابتسامتها وليس التأمل في والندبة.
- التليفون رن على فكرة وانتي "بتتكملي" فيه، واضح انك كارها الفرح أصلا وجاية غصب عنك
- اه ، مش بحب الأفراح أصلا
- في مكان قريب من هنا بيعمل قهوة حلوة أوي، تحبي نروح؟
- بصراحة احساسي اني عايزة امشي بأي طريقة ، ماشي
كانت المرة الأولى منذ وقت طويل أن تمشي في الشارع بهدوء وبدون أن تشعر أنها تريد أن تهرب من نظرات الناس. فحديثها معه لم ينقطع طول الطريق وحتى وصلا للمقهى وأستمر الحديث أثناء شرب القهوة. لم تتحدث عن العملية والحادث وكأنها نسيتهم بكل كان حديثها أن كل شيء تحبه وتكرهه وعن أراءها الفلسفية وحبها الشديد للكتب وكان هو يجاريها الحديث وكأنها تعرفه منذ وقت طويل ولم يتقبلا منذ لحظات فقط. لم يشعرا بالوقت يمر إلا عندما اتصل به أخوه يسأله عن مكانه لأنهم على الوشك التحرك من مكان العرس. سألته بتعجب:
- هو أنت اخو العريس؟!
- آه
- امال ازاي  مشيت من الفرح كده؟
- يعني هو خلاني اقعد في الدوشة دي بالعافية وهيضيع عليا أني أقابلك كمان!
عادت إلى المنزل وبقيت واقفة لا تتحرك لثواني أمام المرآة ، فخلال وقت ما من الليلة قامت بربط شعرها وتجميعه خلف رأسها، ولأول مرة تشعر وكأن الندبة صارت أصغر ولا يبدو شكلها مزعجا جدا ..


Monday, March 5, 2018

تغيير مفاجئ

تفاجئ الكاتب في منتصف روايته أن الأحداث والأبطال قد تغيروا فجأة! كيف حدث ذلك ؟ لا يدري .. لعلها المرة الأولى في تاريخ الأدب أن تُكتب رواية وتتغير الأحداث والأبطال دون تتدخل الكاتب. فالبطل أو الحبيب سافر إلى بلاد أوروبا بحثاً عن العمل وصارت طباعه حادة على عكس الصورة الهادئة التي رسمها له الكاتب في بداية الرواية، لعله الجو شديد البرودة أثر على طباعه. أما عن البطلة أو الحبيبة فقد تنازلت عن أحلامها في السفر وروية العالم وسكنها شيء ما من خيبة الأمل وتقدم زميلها في العمل –المجتهد في وظيفته- لخطبتها ووافقت كما توافق الأبنة على طعام أمها التي لا تحبه. أما عن أصدقاء البطل فقد بقى بعضهم في الوطن وسافر الأخرين بين الشرق والغرب ولم يرافق أحدهم بطل الرواية وبذلك اختفت صور الصداقة المتينة التي رسمها الكاتب وكيف أنهم كانوا يساعدون البطل أو الحبيب في الوصول لمحبوبته وكأنهم على استعداد بالتضحية بحياتهم من أجل ذلك، أما الآن فحتى لو التضحية كانت بثمن محطتين في مترو الأنفاق قد تبدو أكثر من اللازم.  وأما أصدقاء البطلة الحبيبة فقد بقوا حولها ولكنهم كأشباح لا يظهر منهم سوى صور لا فائدة منها وكأن الصداقة قد اختفت تماما من الرواية.
وجد الكاتب نفسه في مأزق حقيقي كيف، فروايته الرومانسية الحالمة قد تحولت إلى عمل درامي مؤلم. وليس هذا فحسب، بل فقدت الرواية عناصرها الأساسية وتفرقت إلى مجموعة قصص مختلفة. أبطال الرواية صارت العلاقة بينهم في الماضي فما الفائدة من جعلهم أبطال للرواية بل ما الفائدة من جعل تلك القصص رواية واحدة من الأساس. ظل الكاتب يبحث وسط الأحداث لعله يجد ما يخرجه من ذلك المأزق. كان يحاول أن يجد رابط ما ، أن يجد ولو نظرة بين الحبيب والحبيبة أو مغامرة بين البطل وأصدقائه تنتهي بإيقاف تلك الخطبة وعودة المحبين لحبهم. ولكنه لم يجد أي شيء. وجد نفسه يقترب من حقيقة واحدة، لكن انتهت الرواية ولكن من دون نهاية ..
كانت محاولته الأخيرة في شبه يأس أن يحاول أن يصل إلى نقطة تحول روايته من النسخة التي كتبها إلى تلك الحالة التي دمرت كل شيء كان يريده. كانت البداية كلها في يوم مشؤم، قرار طائش من البطل وسط عناد من البطلة وانتهى كل شيء هو سافر وهي بقت، مر على أحداث كثيرة لا تغير شيء من أساس الرواية _ إن جاز تسمية ما بين يديه رواية _ حتى وصل إلى حدث معين وهو عدد من الرسائل موقعة باسم البطل ولكن من دون تاريخ ومن دون رد.. حاول أن يصل إلى كلا المعلومتين ولكن من دون فائدة. حاول أن يعتمد على ما يعرفه عن بطله الذي بدا له أنه لم يتغير كثيراً يبدو أنه فقط تعلم أن يظهر بشكل مختلف. اكتشف شيء هاما وهو أن عدد الرسائل هو نفسه عدد الأيام بداية من ذلك اليوم المشؤم إلى يوم كتابة هذه الاحداث في الرواية _ التي بدأت تعود كرواية _ بعدد أيام يزيد عن عام ونصف العام بقليل. شعر الكاتب بنبضات قلبه تتسارع، وجدها، وجد الرابط وإن بدى واهيا، وإن كانت رسائل دون رد. ظل يبحث في الجهة الأخرى، عن رد ما، عن ابتسامة سريعا ما تختفي، عن ضربات قلب بشكل غير منتظم، عن نظرة اشتياق، ولكنه لم يجد شيء وكأن البطلة نست البطل تماماً وكأن المسافة صارت أبعد من أن تقاس بمقاييس أرضية، كان يريد أن يصل إلى أي شيء حتى يظل كلامها بطلا الرواية معا.. كيف ينهي الرواية إذا؟ هل تكون نهاية حزينة وكلنه أراد نهاية سعيدة _ أو بالأحرى نهاية غير واقعية_ قرر الكاتب أن ينهي هو الرواية بالرغم تغير الأحداث ، نهاية يعتمد فيها على عرفه عن البطلة في بداية الرواية وأن يقول بأن البطل كان يصله الرد ولكنه كان رد غير مكتوب، كان ردا يشعر به في أعماق قلبه حتى ولو خالفه عقله، أنهى الكاتب الرواية سريعا خوفا من أن تتغير الأحداث مرة الأخرى، انهها لكي يكمل سلسلة رسائله ولعل تكون هذه الرسالة هي التي يحصل فيها على رد يُرضي عقله وقلبه.