Friday, September 2, 2016

عطل مفاجئ


خرجت من عملها وهي تشعر بتعب كبير وتريد فقط أن تكون على سريرها لا تشعر بشيء سوى برودة التكييف وربما تشاهد فيلم قبل النوم. ولكن عليها أن تقطع مسافة كبيرة لتصل إلى المنزل ، ليس هذا فقط بل عليها أن تقود سيارتها هذه المسافة وهذا يعني عذاب ليس كأي عذاب لساعة كاملة على الأقل.
بمجرد أن خرجت من باب العمارة قابلها "السايس" بابتسامة تشبه ابتسامة شخص جائع على وشك أن يسرق طعام ساخن وقال بصوت متحمس:
"الف مبروك يا أستاذة العربية الجديدة، والله فرحتلك ! هترحمك من قرف التاكسي .. دول ناس حرامية أصلا!"
لم تجيبه ولم تريد أن تكمل الحديث فردت عليه بنظرة شخص شبعان تماما ورأى طعام يكره. ولكنه أكمل حديثه على أي حال قائلا:
"أخيرا يا أستاذة هطلعك من الجراج بنفسي .. ده انا هستنى سيادتك كل يوم!" وتبع كلامه بابتسامة بلهاء تجعل أي شخص سعيد يشعر بقليل من التعاسة أن هذه التعابير هي ابتسامة.
لم ترد عليه ولا تنظر إليه هذه المرة بل حدثت نفسها وقالت :" لوعايز تعمل خير فعلا تيجي تسوق انت في شوارع المخروبة دي..."
وقف هو منتظر الأستاذة وبدأ في عمل إشارات وكأنه يساعد طائرة ضخمة على الهبوط في جو غائم.
كانت تحاول أن تستجمع قوتها وتشجع نفسها على أنها تستطيع أن تنهي هذه الرحلة بسلام. تركته ومشت بالسيارة ببطيء وتخبط وعلى وجهه علامات الغضب والحيرة فهي لم تعطيه "البقشيش" المطلوب بعد كل هذا الكلام المعسول.
توقفت عند أول كشك لكي تشتري مشروب بارد وقطعة شكولاتة من أجل الطريق الطويل. وعندما همت بالتحرك حدثت ما كانت تخافه بل ما كانت تعتبره أسوا كابوس لها، فبعد أن دخلت السيارة ووضعت المفتاح في مكانة وحركته حركة واحدة وداست على الدواسة كما تعلمت ، لم تتحرك السيارة ولو أنشا واحدا!
أخرجت صرخة عالية ، ولكنها ليست عالية كفاية ليسمعها أحد فنوافذ السيارة مغلقة والطريق شبه صحراوي وهو ما يزيد الطين بلة. وضعت رأسها داخل حقيبتها لدقائق لتتأكد من أنها لو بكت لن يراها أحد. بعد ذلك حاولت بشتى الطرق أن تحرك السيارة ، تأكدت من أنها على وضع الحركة والفرامل ليست مشدودة ولا يبدوا على السيارة أي مشاكل ليس هناك دخان ولا رائحة ولا شيء. نزلت من السيارة لتتأكد من شيء لم تعمله وبالطبع لم ترى شيء غير مألوف على الأقل ليس بالنسبة ليها.
وقفت لدقائق تحدق بالسماء وتتساءل من أعماقها "ليه؟" ، "ليه يحصلي كده! انا عملت ايه وحش في حياتي!" ، بدأت وقفتها تثير الأنظار وبالطبع فتاة وسيارة يعني عدد لا نهائي من النكات السخيفة وكان هذا ما يجعلها تشعر بالضيق أكثر حتى من النظرات فقط كان واضح ما يريد أن يقوله أي مار. حاولت أن تعود من أجل محاولة أخيرة يائسة ولكن لا فائدة. اقتربت سيارة بها شاب سألها:
"انت محتاجة أي مساعدة؟ أغيرك الاستبن أو حاجة؟"
فردت "لا لا شكرا، انا مستنية بس جوزي عشان بنمشي سوا ... شكرا"
غادر الشاب بهدوء ولو أنه لم يصدق الرواية الخاصة بها. وقالت هي لنفسها:" اكيد مش هتصدقني يعني ، هو انا لو كنت متجوزة ، كنت هسيبه في حاله واتبهدل كده ، اكيد كان هيوصلني كل يوم ! بدل البهدلة دي.."
كان الوقت يمر بطيئا جدا ومضى أكثر من نصف ساعة على توقفها. عندها أخرجت تليفونها المحمول لكي تحاول أن تبحث عن مشكلتها أو مشكلة مشابهة. صمتت دقيقة وكانت تفكر وتسأل نفسها : "هو ليه مفيش صوت طالع من العربية؟ مش المفروض الموتور داير!" بعد ذلك صمتت تماما وابتلعت صدمتها ووجها بدأ في الاحمرار حتى أصبح يشبه الطماطم الطازجة وحركت يدها ببطيء شديد وحركت المفتاح حركة زائدة لكي يدور الموتور...
سارت طول الطريق في صمت تام وتتخفى من الناس وكأنها قامت بعمل مصيبة ما. وعندما عادت لمنزلها سألتها أمها بقلق:
"ايه الحصل يا بنتي؟ ايه أخرك كده !"

فردت : "لا مفيش يا ماما.. كان في سواق غبي على الطريق بس.." وابتسمت ودخلت غرفتها لا تعرف هل تبكي أم تضحك. 

Thursday, September 1, 2016

الضفة الأخرى 2






أستقيظ من نومه فجأة ليجد بقايا قاربه بجانبه والرمال تحيط به من كل مكان. كانت الرمال تمتد بلا نهاية تعلو وتهبط، فقط رمال رمال والسماء تبدو رمادية اللون والضوء الشمس باهت. كانت يمكنه أن يرى أثار أقدام تظهر وتختفي في الرمال ويسمع همس وأحيانا يلمح أشباح تتحرك. ظل ينادي وينادي بصوت عالي ولكن لا يوجد أي استجابة. ظل هكذا لوقت طويل ولكنه تفاجئ بأن الرمال أصبحت تحيط به أكثر وكأنها تريد أن تجعله جزء منها. تذكر بأنه كانت في منتصف رحلته وبدأ يستعيد رائحة البحر والشعور الرياح القوية وهي تمر بين ذراعيه والأمواج التي تسافر معه بدأ يستعيد كل شيء ولكن فجأة تظهر عاصفة رملية تعيده إلى تلك الصحراء التي ليس لها نهاية.
لم يدري كم ساعة قد مرت، بل لم يعد يدري أكانت ساعات أم أيام أم شهور أو حتى أعوام ، لا يهم مقدار الوقت الذي مضى ولكن الأثر الذي تركه هو الباقي. أثر الرمال التي ليس لها بداية ونهاية، رمال تجعله ينسى انه على جزيرة وينسى البحر بأمواجه وكل ما تركه فيه. كانت نهاية رحلة ونهاية حلم الضفة الأخرى ينتهي بين حبات تلك الرمال الحارقة التي لا تترك فيه سوى الندوب فقبل أن يختفى الجرح تسارع الرمال بعمل غيره وكل منها يترك أثره في النهاية حتى لو رأى انعكاسه في عين طائر حظه العاثر أسقطه في الرمال لم يتعرف على نفسه.
كان عادة يقضي ليله مختبئا في كهف كئيب لا يدخله الضوء منتظر النهار ليبحث عما يأكله ويعود لكهفه منتظرا اللا شيء. فأنتهى الأمر ونسى قريته ونسي ذلك الطفل الذي كان يخاف البحر ولكنه رغم كل شيء خرج ونسى الطيور والموج والسماء والقمر. حتى تلك الليلة التي لم يستطع أن ينم فيها وكان يفكر في شيء لا يدري ما هو فقط يشعر بعقله يعمل ، حتى سمع ذلك الصوت ... كان صوت طائر ولكنه مختلف عن كل صوت يسمعه، صوته أعاده ازمان وأزمان صوت يجعله يشعر وكأنه في وسط البحر وبل في أعلى موجة يحاربها كما أعتاد. لم يكن صوت طائر مكسور ويائس كما أعتاد أن يسمع في تلك الصحراء الكئيبة. ولكنه صوت طائر فخور بنفسه ، طائر يعرف البحر والسماء جيدا ولم يترك نفسه للرمال حرقه. خرج ركضا لكي يبحث عن مصدر ذلك الصوت ويرى الطائر بعينيه ولكنه لم يجد شيء. ظل يركض ويركض وهو ناظر للأعلى وعينيه لا تغادر السماء وكأنه مجنون ولم يشعر بنفسه وهو يتعثر في صخرة كبيرة ويسقط على الأرض. أعتدل في جلسته ليجد نفسه يواجه السماء..
كان منظر وكأنه يراه لأول مرة. كانت النجوم والقمر ويشكلون أجمل لوحة رآها في حياته. كيف لم يره كل ترك المدة؟ كان صديقه هناك في سماء يشاهد بهدوء وجمال كعادته. ظل يتأمل في المنظر وبدأ الصوت يعلو من جديد وهبت رياح خفيفة من الشمال كانت معبئة برائحة البحر .. البحر! وكأنه يتذكر صديق قديم ، أتكأ على يديه وقام ببطء، كانت الرمال لا تزال ساخنة ولكن لا بأس.. لا بأس في بعض الندوب الآن، فالطريق مازال طويلا ولكنه يدري أنه في يوم سيصل. سيعود للبحر ويركب الأمواج وسيصل للضفة الأخرى. الرمال كثيرة وحارقة ولكن البحر يستحق والقمر مازال موجودا ورغم مرور الأعوام مازال الطفل طفلا يخاف البحر ولكنه يعشقه...  

ملاحظة: كنت أظن بأني نشرت هذه القصة بالفعل وعدت لأبحث عنها قبل أن أكتب الجزء الثالث منها فقط لأجد أني بدأن في كتابتها منذ عام ونصف تقريبا ولم أنهيها وأني كنت كتبت نفس الأحداث تقريبا التي كنت أنوي كتابتها الآن...  


Saturday, August 27, 2016

شيء ما


"ما هذا؟ يبدو أن الطريق طويلا حقا، لم يكن يخدعني إذا عندما كان يشتكي من المشي وأن الطريق طويلا...
لماذا لم ألاحظ هذا الأمر من قبل؟"
كانت تقول لنفسها ذلك وهي تمشي مسرعة بمحاذاة أسوار المباني التي تطل على النيل والأمن يحيط بها ولكنها كانت لا تبالي بهم ، كانت تسترجع الذكريات وهي تسير وتنتظر أن تسقط عيناها على النيل لعله يخبرها بشيء ما تبحث عنه. كانت الوقت تأخر ولكن لا بأس فالمكان الذي تبحث عنه في الجهة الأخرى من الشارع ، ستسير مسرعة كما هي وتتذكر يوما آخرا أو أثنين وتخبر النيل بسرا أيضا أو أثنين وبالأحرى هو يعرفهم وستمر من أمام البوابة الحديدية السوداء وتنظر إليها وتبتسم فالبوابة تراه يوميا وإن رأت البوابة هي فإلى حدما قد رأته واقتربت منه.
أخيرا وصلت إلى المكان المطلوب، وجلست بالخارج تحجج بأنها تريد أن تكون بالقرب من النيل ولكن في الحقيقة تريد أن تبحث وجوه المارة لعلها تراه ولكنها تعرف تمام العلم أنه رحل وأنه لم يأتي هنا فاليوم يوم عطلة. أخرت كتابها بهدوء بعد أن طلبت قهوتها. غاصت بين السطور والشخصيات ، شعرت بألمهم وجرحهم وفرحهم وقلقهم ، كل شيء وكأنها هي الأم والأخت والزوج والأب ، لا تعلم هل الكتابة بهذه البراعة أم أنه شيء ما مختلف. تذوقت القهوة فشعرت أن بها شيء غريب ولكنها اكملتها لانشغالها بالقراءة. انتهت من أكثر من نصف الكتاب في هذه الجلسة وجاءها النادل قبل أن تمشي يسألها بابتسامة كيف كانت القهوة فجابته بحدة:
"كان طعمها غريب"
النادل:" ولكن يا سيدي هذه نفس القهوة التي تشربينها منذ أعوام. أنا اعددتها بنفسي."
هي: "لا أدري .. قد أكون أكثر السكر ."
النادل: "نعم ممكن .. ولكنك كل مرة كنت تأتين مع السيد الذي لا أتذكر أسمه." ثم قال باسما "لعله هو السبب"
قالت وهي تبتسم من قبلها وكأنها طفلة وجدت لعبة جديدة: " هل أمري مكشوف إلى هذا الحد؟ نعم .. لعله هو ذلك الشيء ولكن من الأفضل أن نخفي الأمر ولنقول بأني أكثر السكر."
النادل: "حسنا يا سيدتي .. هو السكر إذا."

  

Thursday, August 4, 2016

لو كنت طائرا

لو كنت طائرا ... 
لتركت عالم البشر لبحثت عن غابة صغيرة أو كبيرة لا يهم ، المهم أن تخلوا من البشر ويحفها من الشمال بحر واسع أو محيط ممتد ، وكل الاتجاهات شجر ونخل ... لا فاصل بين السماء والشجر سوا البحر وأمواجه ... 
لبقيت كل ليلة على شاطئ البحر أسمع أسرار أمواجه وهي تخبرها للشجر.. 


ولو أرغمت على الحياة بين البشر كطائر .. لقضيت حياتي أنقل رسالات المسافرين ، أنقلها كاملة بما فيها من دموع ودقات قلب سريعة أو حتى متقطعة ونظرات للفراغ متأملة الللاشيء منتظرة المحب يعود والوطن يظهر من جديد، لسافرت آلالاف الأميال, بجناحين متعبين فقط لأنقل ستة حروف فقط .. ستة حروف .. " أ" "ف" "ت" "ق" "د" "ك" .. لعل المسافر يصبر على غربته ولعل المنتظر يجد ما يؤنسه. 
.. لقضيت ساعة من كل مساء أمام نافذة السيدة العجوز لتحكي لي أن أبنها الذي سافر ليدرس ونجح وحفيدها الذي يشبه بنتها تماما وكيف أنها لم تره منذ كان رضيعا ولكنها لو رأته الساعة لعرفته وسط ألف.. ستحكي لي كيف كانت تجعد شعرها في الليل على ضوء شمعة منتظرة الصباح يأتي بأمل جديد .. ستحكي الكثير من القصص ، أكثر مما يتحمله أي انسان لذلك من الجيد أن تكون طائرا 


Monday, June 13, 2016

طريق

عاد إلى نفس المكان الذي بدأ منه كل شيء ، تطارده بعض الذكريات والأحلام والكثير من الأسئلة المؤلمة التي يهرب من كثير منها، تظهر له بعض النجوم والأقمار اللامعة تطمئنه بأنه مازال على وعده وأن كل ما في الأمر أنه دخل منعطف جديد وقطع مسافة كبيرة من الطريق وتغير الأمر ولم يعد هناك طريق للعودة... 
تذكر تلك الليلة أو الليالي لا يدرى ، كان كل شيء مازال أخضرا وكان القلب مازال أبيض والعقل مازال مشتعلا بالأفكار والاحلام ، كان يرضى بأي شيء وينتظر كل شيء.. لم يدخل أي من معاركه بعد ، كان مازال يجلس على الشاطئ أو أبعد من الشاطئ .. يجلس ناظر للسماء متسائل عما سيحدث في المستقبل؟ كيف لطفل صغير أن يحمل حلم كبير؟ كان يتساءل لو يجب عليه أن يرضى بالواقع أن يستسلم لأشباح العالم؟ أن يحفظ ويحفظ ويحفظ لمدة عامين كاملين من أجل ورقة تؤهله للدخول لمكان لآخر لمدة خمسة أعوام من أجل ورقة أخرى؟! كان الأمر يبدوا وكأنه أسوا كابوس وكأن العالم يريد أن يقتل الحلم والأمل يقتل لمعان عينيه ، جلس في نفس البقعة التي جلس فيها الآن وتذكر وعده للقمر منذ طفولته وقام بعمل معاهدة جديدة سيرضى بالواقع ويحفظ ما يريدون حفظه ولكنه سيتعلم المقاومة ، سيقاوم ويطارد أحلامه ، كان بإمكانه أن يرى الطريق ممتد ولكن هناك حائظ هائل لا بداية ولا نهاية له يسد أمامه الطريق ولكنه لم يشعر بالقلق من هذا الحائظ كان يدري أن الأمر بسيط وقت وسيمر وسيعبر وسيجد البحر خلف الشاطئ بموجه ورماله يأخذه إلى أحلامه... 
مرت الليالي تباعا تباعا ، الحائط اختفى ، تغير الأمر ، أصبح الضباب يملأ الطريق وتشعب لمئات من الطرق ، اختفت رائحة البحر والقمر لم يعد يظهر كل ليلة كما أعتاد ، اصبحت الحياة مخيفة ، لم يعد الوقت صديق له كما أعتاد بل أصبح عدو يقف فوق كتفه ويضحك كلما رآه يسقط ، يضحك كلما رآه يتعثر ويبكي ، يضحك ويضحك ويمضي في طريقه هازئا منه ، يحاول دائما أن يعود لوعوده ، يعود للمقاومة التي تعلمها ولكن الأمر صار صعبا وكأنه مقاتل نسي حمل السيف بعد سنوات طويلة من الراحة... ولكنه أيضا أكتشف شيء جديد ، أكتشف أن الحمل الثقيل من الممكن أن يحمله أثنان وأن القارب من الممكن أن يسيره أثنان ، فجأة أكتشفها تجلس بجانبه على كرسي القطار وهو يعبر الطريق ، كيف ومتى ومن أين؟ أسئلة كثيرة تدوب اجابتها في عينيها ، لم يعرف غير الوحدة ولم يألف غير صوت الصمت الممزوج بأفكاره هكذا يقول لنفسه أن يهرب من القطار ويختفي الظلام ولكنه قبل أن ينقفذ ينظر إلى القمر فيراها ويرى أحلامه ويرى البحر ورائحته ويرى الرمال والقمر والنجوم ... تماما كتلك الليلة التي بدأ منها كل شيء ... فيتمسك بالمقعد ويدري بأن من هذه اللحظة لم يعد وحيدا في تلك الرحلة وصار من يشاركه قطاره الليلي ... ولكن أحيانا احيانا تهرب منه بين عربات القطار ، أحيانا تأخذ احلامه وقمره ونجومه وبحره وتهرب ومع كل هروب تترك علامة واضحة على قلبه لا تتحرك ... 
يحاول أن يوقف كل شيء حوله .. كل شيء .. يتذكر كيف بدأ .. يهدأ .. يجدد وعوده .. يفكر أن بأن المعارك تجدد وتكبر كما يكبر هو وأن القوي هو من يستمر والضعيف هو من يستسلم ..  ينظر خلفه يرى طريق طويييل قد قطعه يرى جبال وبحار قد قطعها وينظر بجانبه فيراها ،، فيدرك أن عليه أن يهدأ ويتفهم معركته الجديدة ويعود لخطته الأولى وعده مع القمر والمقاومة .... 

Friday, June 10, 2016

أماكن


عندما كنا صغارا كان المكان الأكبر في حياتنا هو البيت. كان البيت هو "المكان" كان يبدو وكأنه قارة بأكملها تضم كل أشكال الحياة وكل بداية أو نهاية تبدا من نقطة ما في ذلك المكان. البيت في تلك المرحلة هو كل شيء وبعد ذلك نكبر قليلا فنضطر لنسافر أو نبتعد حتى فترة قليلة لمدة أيام أو أسابيع أو حتى شهور قليلة لنتكشف مدى تعلقنا بهذا المكان وأن الحياة بدونه مستحيلة وكأنه سمكة خرجت من الماء أو انسان تم نفيه خارج الغلاف الجوي ويحاول جاهدا أن يعود في نفس اللحظة حتى لو يعني ذلك أن يركب قطار في منتصف الليل أو حتى يسافر على قدميه فالمهم هو الوصول للمكان الأهم وهو البيت.

في مرحلة ما يضطر الطفل أن يكبر ومع ذلك الأمر يكتشف أن هناك أماكن جديدة ظهرت في حياته ليست بالطبع بأهمية المكان الأول ولكنها أصبحت جزء من حياته. بعد ذلك يضطر الانسان للسفر أن يرحل ويبتعد قد يكون البعد ملموس وحقيقي بالمسافات وقد يكون بعد في أن يظل الانسان يدور ويدور على أماكن أخرى. ولكن في النهاية وبعد أعوام يكتشف بأن الفكرة المكان الأوحد تغيرت فكل مكان صار يحمل جزء ما ، كل ما يحمل ذكرى وصورة قد تكون اختفت او تغيرت أو حتى بقية كما هي.  يتحول المكان إلى الأول من قارة كاملة إلى جزيرة في وسط محيط ، جزيرة يفر إليها الإنسان من علو الأمواج والمحيط الذي لا يهدأ. جزيرة في وسط الريح والأعاصير نفر منها في كهف ربما ونرحل في قارب صغير لنجد كل الأماكن تحولت إلى جزر أصغر. نكتشف بأن جزء من الضريبة الزمن هو التشتت وكأن في جزء ما من عمر الإنسان جزء من قلبه كان من الزجاج وتكسر ويظل بقية حياته يحاول أن يجمع قطعة من كل مكان ويضعها في مكانها ولكن مهما جمع تبقى قطع ناقصة ويبقى الزجاج مشروخ. 

Sunday, April 3, 2016

قصة ليلى 6

-اتدرين يا ليلى... في البداية كنت أظن أني آتي هنا كل ليلة في مهمة رسمية، ولكن بدأت أشعر بأن هذا الحكي يجعلني أشعر أني مازالت حيا 
-ماذا تعني؟ لا تحاول أن تكون غامضا من فضلك 
-لا يهم ، لا يهم ، قصة اليوم بها فتاة مثلك 
-مثلي كيف؟
-مثلك.. فتاة ، شابة ، ذكية ، وجميلة 
-ماهذا الاطراء، هل هناك عصفور جائع أم ماذا؟
-"كانت أنتهت لتوها من دراستها الجامعية، كانت تخصصت في دراسة التاريخ وقررت أنها يجب أن ترى جزء مما درسته وتزور وتكتشف العالم، كانت تريد أن ترى كل شيء وتكتشف أشياء جديدة غامضة. ولكن الحياة كانت قاسية جدا معها، أهلها رفضوا الفكرة وكل أصدقائها أبتعدوا هنا لأنها بدأت لهم وكانها مجنونة. شعرت وكأنها على وشك الاستسلام فكل شيء وكل شخص ضدها وكأنها تحاول أن تعوم عكس تيار البحر. ِولكنها تخيلت نفسها ترضى بما يراه الآخرين تخيلت الأعوام تمر ما بين جملة "هانت" و"كلها سنتين" إلى أن تموت احلامها جميعا ويموت كل شيء بداخلها وتصبح نسخة مشهوة لمجتمع مشهوه. كانت تدري بأن العالم أصبح مكان صعب الحياة عليه بالرغم من أننا نزعم بأننا الكوكب الوحيد الذي به حياة ولكننا كل يوم نجاهد من أجل أن ترى تلك الحياة. ولذلك قررت بأنها لن تستسلم اليوم ولا أي يوم ، ستقوم برحلتها في العالم لكي تكتشف وتنشر الحياة مهما حدث. كانت رحلتها غالية التكاليف وكانت كل شيء يقف أمامها لذلك قررت بأنها كل يوم ستقرأ وتكتب وترسم أن مكان جديد في هذا العالم وتعلق الورقة في غرفتها وتظل تعمل ليل ونهار حتى تستطيع أن تسافر. كانت الغرفة تمتلأ كل يوم بصورة أو قصاصة ورق أو مقالة أو كتابة كل يوم تشعر بأن حلمها يحاصرها فتعمل وتجتهد أكثر حتى تقترب من رحلتها. ظلت طوال خمسة كاملين تعمل كمدرسة أحيانا ومرشدة سياحية أحيانا أخرى ، كانت تنتقل كنسيم عابر يعرف وجهته جيدا ، تنقلت من وظيفة لأخرى وعياناها مثبتة على شيء واحد .. رحلتها. كانت أتمت عاماها الثلاثين عندما شعرت بأنها جاهزة تماما لرحلتها ، اتهمها الجميع بالجنون فهي ولأسباب مختلفة هذه المرة وتأكدت من أنه في كل مرة ستجد الكثير يتهمونها بالجنون لسبب أو لآخر. بدأت رحلتها ومنذ أول يوم عاد قلبها وروحها إلى عمر طفل لم يتم عامه الخامس ، كانت تشعر بساعدة غامرة وتنتظر المجهول ولكنها تعرف أن مهما حدث ستقاتل لأنها أستحقت هذه الرحلة ، فهذه الرحلة هي رحلة حياتها ، وعليها أن تكملها لآخرها... نظرت بجانبها فكان هو جالسا يبدو عليه القلق ..."
-ولكن هذه قصة أخرى
-ماهذا يا عصفور؟ منذ متى وهناك نهايات درامية كهذه النهاية
-علي التغيير وإلا سأكون طعام للأميرة
-أي أميرة ؟!
أبتسم العصفور وقال:
-وداعا أميرة ليلى 
-وداعا يا العصفور مجهول الأسم 
وقالت لنفسها: -- وداعا يا صديقي العزيز