Monday, June 13, 2016

طريق

عاد إلى نفس المكان الذي بدأ منه كل شيء ، تطارده بعض الذكريات والأحلام والكثير من الأسئلة المؤلمة التي يهرب من كثير منها، تظهر له بعض النجوم والأقمار اللامعة تطمئنه بأنه مازال على وعده وأن كل ما في الأمر أنه دخل منعطف جديد وقطع مسافة كبيرة من الطريق وتغير الأمر ولم يعد هناك طريق للعودة... 
تذكر تلك الليلة أو الليالي لا يدرى ، كان كل شيء مازال أخضرا وكان القلب مازال أبيض والعقل مازال مشتعلا بالأفكار والاحلام ، كان يرضى بأي شيء وينتظر كل شيء.. لم يدخل أي من معاركه بعد ، كان مازال يجلس على الشاطئ أو أبعد من الشاطئ .. يجلس ناظر للسماء متسائل عما سيحدث في المستقبل؟ كيف لطفل صغير أن يحمل حلم كبير؟ كان يتساءل لو يجب عليه أن يرضى بالواقع أن يستسلم لأشباح العالم؟ أن يحفظ ويحفظ ويحفظ لمدة عامين كاملين من أجل ورقة تؤهله للدخول لمكان لآخر لمدة خمسة أعوام من أجل ورقة أخرى؟! كان الأمر يبدوا وكأنه أسوا كابوس وكأن العالم يريد أن يقتل الحلم والأمل يقتل لمعان عينيه ، جلس في نفس البقعة التي جلس فيها الآن وتذكر وعده للقمر منذ طفولته وقام بعمل معاهدة جديدة سيرضى بالواقع ويحفظ ما يريدون حفظه ولكنه سيتعلم المقاومة ، سيقاوم ويطارد أحلامه ، كان بإمكانه أن يرى الطريق ممتد ولكن هناك حائظ هائل لا بداية ولا نهاية له يسد أمامه الطريق ولكنه لم يشعر بالقلق من هذا الحائظ كان يدري أن الأمر بسيط وقت وسيمر وسيعبر وسيجد البحر خلف الشاطئ بموجه ورماله يأخذه إلى أحلامه... 
مرت الليالي تباعا تباعا ، الحائط اختفى ، تغير الأمر ، أصبح الضباب يملأ الطريق وتشعب لمئات من الطرق ، اختفت رائحة البحر والقمر لم يعد يظهر كل ليلة كما أعتاد ، اصبحت الحياة مخيفة ، لم يعد الوقت صديق له كما أعتاد بل أصبح عدو يقف فوق كتفه ويضحك كلما رآه يسقط ، يضحك كلما رآه يتعثر ويبكي ، يضحك ويضحك ويمضي في طريقه هازئا منه ، يحاول دائما أن يعود لوعوده ، يعود للمقاومة التي تعلمها ولكن الأمر صار صعبا وكأنه مقاتل نسي حمل السيف بعد سنوات طويلة من الراحة... ولكنه أيضا أكتشف شيء جديد ، أكتشف أن الحمل الثقيل من الممكن أن يحمله أثنان وأن القارب من الممكن أن يسيره أثنان ، فجأة أكتشفها تجلس بجانبه على كرسي القطار وهو يعبر الطريق ، كيف ومتى ومن أين؟ أسئلة كثيرة تدوب اجابتها في عينيها ، لم يعرف غير الوحدة ولم يألف غير صوت الصمت الممزوج بأفكاره هكذا يقول لنفسه أن يهرب من القطار ويختفي الظلام ولكنه قبل أن ينقفذ ينظر إلى القمر فيراها ويرى أحلامه ويرى البحر ورائحته ويرى الرمال والقمر والنجوم ... تماما كتلك الليلة التي بدأ منها كل شيء ... فيتمسك بالمقعد ويدري بأن من هذه اللحظة لم يعد وحيدا في تلك الرحلة وصار من يشاركه قطاره الليلي ... ولكن أحيانا احيانا تهرب منه بين عربات القطار ، أحيانا تأخذ احلامه وقمره ونجومه وبحره وتهرب ومع كل هروب تترك علامة واضحة على قلبه لا تتحرك ... 
يحاول أن يوقف كل شيء حوله .. كل شيء .. يتذكر كيف بدأ .. يهدأ .. يجدد وعوده .. يفكر أن بأن المعارك تجدد وتكبر كما يكبر هو وأن القوي هو من يستمر والضعيف هو من يستسلم ..  ينظر خلفه يرى طريق طويييل قد قطعه يرى جبال وبحار قد قطعها وينظر بجانبه فيراها ،، فيدرك أن عليه أن يهدأ ويتفهم معركته الجديدة ويعود لخطته الأولى وعده مع القمر والمقاومة .... 

Friday, June 10, 2016

أماكن


عندما كنا صغارا كان المكان الأكبر في حياتنا هو البيت. كان البيت هو "المكان" كان يبدو وكأنه قارة بأكملها تضم كل أشكال الحياة وكل بداية أو نهاية تبدا من نقطة ما في ذلك المكان. البيت في تلك المرحلة هو كل شيء وبعد ذلك نكبر قليلا فنضطر لنسافر أو نبتعد حتى فترة قليلة لمدة أيام أو أسابيع أو حتى شهور قليلة لنتكشف مدى تعلقنا بهذا المكان وأن الحياة بدونه مستحيلة وكأنه سمكة خرجت من الماء أو انسان تم نفيه خارج الغلاف الجوي ويحاول جاهدا أن يعود في نفس اللحظة حتى لو يعني ذلك أن يركب قطار في منتصف الليل أو حتى يسافر على قدميه فالمهم هو الوصول للمكان الأهم وهو البيت.

في مرحلة ما يضطر الطفل أن يكبر ومع ذلك الأمر يكتشف أن هناك أماكن جديدة ظهرت في حياته ليست بالطبع بأهمية المكان الأول ولكنها أصبحت جزء من حياته. بعد ذلك يضطر الانسان للسفر أن يرحل ويبتعد قد يكون البعد ملموس وحقيقي بالمسافات وقد يكون بعد في أن يظل الانسان يدور ويدور على أماكن أخرى. ولكن في النهاية وبعد أعوام يكتشف بأن الفكرة المكان الأوحد تغيرت فكل مكان صار يحمل جزء ما ، كل ما يحمل ذكرى وصورة قد تكون اختفت او تغيرت أو حتى بقية كما هي.  يتحول المكان إلى الأول من قارة كاملة إلى جزيرة في وسط محيط ، جزيرة يفر إليها الإنسان من علو الأمواج والمحيط الذي لا يهدأ. جزيرة في وسط الريح والأعاصير نفر منها في كهف ربما ونرحل في قارب صغير لنجد كل الأماكن تحولت إلى جزر أصغر. نكتشف بأن جزء من الضريبة الزمن هو التشتت وكأن في جزء ما من عمر الإنسان جزء من قلبه كان من الزجاج وتكسر ويظل بقية حياته يحاول أن يجمع قطعة من كل مكان ويضعها في مكانها ولكن مهما جمع تبقى قطع ناقصة ويبقى الزجاج مشروخ. 

Sunday, April 3, 2016

قصة ليلى 6

-اتدرين يا ليلى... في البداية كنت أظن أني آتي هنا كل ليلة في مهمة رسمية، ولكن بدأت أشعر بأن هذا الحكي يجعلني أشعر أني مازالت حيا 
-ماذا تعني؟ لا تحاول أن تكون غامضا من فضلك 
-لا يهم ، لا يهم ، قصة اليوم بها فتاة مثلك 
-مثلي كيف؟
-مثلك.. فتاة ، شابة ، ذكية ، وجميلة 
-ماهذا الاطراء، هل هناك عصفور جائع أم ماذا؟
-"كانت أنتهت لتوها من دراستها الجامعية، كانت تخصصت في دراسة التاريخ وقررت أنها يجب أن ترى جزء مما درسته وتزور وتكتشف العالم، كانت تريد أن ترى كل شيء وتكتشف أشياء جديدة غامضة. ولكن الحياة كانت قاسية جدا معها، أهلها رفضوا الفكرة وكل أصدقائها أبتعدوا هنا لأنها بدأت لهم وكانها مجنونة. شعرت وكأنها على وشك الاستسلام فكل شيء وكل شخص ضدها وكأنها تحاول أن تعوم عكس تيار البحر. ِولكنها تخيلت نفسها ترضى بما يراه الآخرين تخيلت الأعوام تمر ما بين جملة "هانت" و"كلها سنتين" إلى أن تموت احلامها جميعا ويموت كل شيء بداخلها وتصبح نسخة مشهوة لمجتمع مشهوه. كانت تدري بأن العالم أصبح مكان صعب الحياة عليه بالرغم من أننا نزعم بأننا الكوكب الوحيد الذي به حياة ولكننا كل يوم نجاهد من أجل أن ترى تلك الحياة. ولذلك قررت بأنها لن تستسلم اليوم ولا أي يوم ، ستقوم برحلتها في العالم لكي تكتشف وتنشر الحياة مهما حدث. كانت رحلتها غالية التكاليف وكانت كل شيء يقف أمامها لذلك قررت بأنها كل يوم ستقرأ وتكتب وترسم أن مكان جديد في هذا العالم وتعلق الورقة في غرفتها وتظل تعمل ليل ونهار حتى تستطيع أن تسافر. كانت الغرفة تمتلأ كل يوم بصورة أو قصاصة ورق أو مقالة أو كتابة كل يوم تشعر بأن حلمها يحاصرها فتعمل وتجتهد أكثر حتى تقترب من رحلتها. ظلت طوال خمسة كاملين تعمل كمدرسة أحيانا ومرشدة سياحية أحيانا أخرى ، كانت تنتقل كنسيم عابر يعرف وجهته جيدا ، تنقلت من وظيفة لأخرى وعياناها مثبتة على شيء واحد .. رحلتها. كانت أتمت عاماها الثلاثين عندما شعرت بأنها جاهزة تماما لرحلتها ، اتهمها الجميع بالجنون فهي ولأسباب مختلفة هذه المرة وتأكدت من أنه في كل مرة ستجد الكثير يتهمونها بالجنون لسبب أو لآخر. بدأت رحلتها ومنذ أول يوم عاد قلبها وروحها إلى عمر طفل لم يتم عامه الخامس ، كانت تشعر بساعدة غامرة وتنتظر المجهول ولكنها تعرف أن مهما حدث ستقاتل لأنها أستحقت هذه الرحلة ، فهذه الرحلة هي رحلة حياتها ، وعليها أن تكملها لآخرها... نظرت بجانبها فكان هو جالسا يبدو عليه القلق ..."
-ولكن هذه قصة أخرى
-ماهذا يا عصفور؟ منذ متى وهناك نهايات درامية كهذه النهاية
-علي التغيير وإلا سأكون طعام للأميرة
-أي أميرة ؟!
أبتسم العصفور وقال:
-وداعا أميرة ليلى 
-وداعا يا العصفور مجهول الأسم 
وقالت لنفسها: -- وداعا يا صديقي العزيز 

Wednesday, March 16, 2016

ليلة

دائما ما يشتاق ليلة كان القمر فيها واضحا لا يغطيه أي سحاب ويبدوا أقرب ما يمكن والنجوم تبدوا لامعة وكأنها عيني أم ترى أبنها الذي عاد بعد سنوات السفر الطويل لامعان يصل للقلب قبل أن تراه العين. تلك الليلة التي كانت أسرار الحياة تطير في السماء وتهبط الأرض التي خلت من البشر. ليلة هادئة لا يكون ما يجعل القلب أو العقل او الصدر يضطرب فكل شيء هادئ. كان الوقت يبدوا مختلفا فلم يصبح عدوه بعد بل كانوا أصدقاء يتعاهدوا ويلتقوا على عدهم. كانت الشمس لا تحرق ولا القمر لا يذكره بالغياب والحروف تبدوا مضيئة والاحلام سعيدة. كانت ليلة ما بعدها ليلة ، ليلة يبدأ الزمان فيها وينتهي. ليلة تعرف فيها على الطيران وليس فقط الطيران فوق السحب بل الطيران خلال الزمان. ليلة كان يبدوا فيها كل شيء ممكن. الحزن والشر والضيق أشياء ليس لها أي معنى في ليلة كهذه.
أحيانا يحاول أن يعود لتلك الليلة .. يتساءل لو أنها كانت موجودة من الأساس أو لو أنها ستأتي من جديد ، فالقلب أصبح مثقل والقمر تغير ولمعان النجوم هدأ. ولكن شيء ما يشده نحو تلك الليلة وكأن هناك نجم أبى أن يتركه في العتمة ويرحل ، نجم خفي أخفى نوره عن الجميع وعاد لصديقه يشده نحو ليلته التي يبحث عنها. شيء ما في قلبه يلمع على استحياء بأن الحلم مازال باقي. شيء ما في القاع البئر يناديه بألا يخاف النزول وأن مهما بعد الطريق سيجد الماء في النهاية ، سيجد النجوم مازالت تلمع والقمر كما هو كأجمل وجه رآه ولكن هذه المرة عليه أن يقطع الطريق حتى نهايته. فيتذكر كيف قال أنه سيقطع هذا الطريق إلى آخره ، إلى آخر القلب أقطع هذا الطريق الطويل
دارت بنا الريح دارتْ ، فماذا تقول؟


أقول: سأقطع هذا الطريق الطويل إلى آخري.. وإلى آخره.

Saturday, February 20, 2016

اكتشاف القمر

فجأة لا يدري كيف حدث هذا؟ بعد كل هذه السنين والشهور والليالي .. بعد كل هذا السهر والأحاديث الطويلة والوعود فاجأته حقيقة بسيطة جدا هي أن القمر بعيد جدا ، هو لا ينتمي للأرض ولا للسماء حتى بل يفصل بينهما غلاف جوي يمتد لمسافات طويلة وبعد ذلك السماء ومن ثم فراغ كبير قاتل ، فراغ تتحرك فيه صخور صامته أو كويكبات صغيرة ضلت طريقها أو بقايا قمر صناعي ، فراغ لا ينقل صوت أو حياة ، ولكي يكون على أكثر دقة المسافة بينه وبين القمر تمتد لآلاف الكيلومترات. متى حدث ذلك؟ لا يعلم. لماذا لم يكتشف الأمر من قبل؟ لا يعلم أيضا. بدأ يشك لو ان الكون بالفعل يتمدد إذا فالقمر لعله يبتعد أكثر فأكثر. ولكنه كان يتذكر كيف أن في بعض الليالي كان بيدوا أكبر وكيف أنه كان النور الوحيد في تلك السماء الكئيبة، فجأة يكتشف أنه لا ينتمي لهذه السماء من الأساس! بدأ يتساءل لو أن تلك الرسائل كانت تصله أم أنها كانت تسقط في ذلك الفراغ الرهيب. ظل يسأل نفسه كيف كان يظن بأن القمر ينتمي في مكان ما بين قلبه وعينيه وأنه على ثقة أنه اقرب لقلبه ليكتشف بعد ذلك أنه بعيد ، بعيد أكثر من تأخذه قداماه في هذه الحياة. كانت الدقائق تمر بعد اكتشافه الرهيب والتي تجعله يتساءل لو أن القمر هو الذي يعيش في فراغ قاتل أم هو الذي كذلك.


نظر إلى السماء فوجد ابتسامة القمر تجعله يشعر كمن سافر وترك أهله من أجل حرب لم يدرك حقيقتها، فالابتسامة أجمل ما رآه قلبه في حياته وأشدها قسوة أيضا لأنها بعيدة ، بعيدة جدا، أبعد من امتداد قلبه. ولكنه يحدث القمر على أي حال لعل الحرب تنتهي يوما دون أن تتعمق الجراح أكثر. 

Friday, February 12, 2016

صرخات مكتومة

كان بإمكانه سماع حركة عقارب الساعة
بالرغم من أن الغرفة ليست بها أي ساعات
كان عقرب الثواني يتحرك بطيئا بطيئا
كانت كل حركة كطعنة غادرة
لا ينفجر منها دم
بل صرخات مكتومة
تتوالى الطعنات
ويصرخ قلبه
يتحول من الأحمر إلى الأسود
والثواني مازالت غادرة
يحرك نظره في الغرفة
ولكن الغرفة خاوية
ينظر من الشباك
يبدوا الجميع كالموتى
والسماء مظلمة بلا قمر
والأرض ليست ظاهرة من كثرة الحفر
يشعر بشيء من الضياع
يبحث في أوراقه ، جميع أوراقه
لعله يجد خبر
لعله يجد البر الذي ينجيه من الغرق
ولكن الحبر أختفى
والورق طار مع العواصف الباردة
والصرخات مازالت مكتومة
يبحث عن الباب الغرفة فلا يجده
يبحث عن الشباك فيضل
تعلو الصرخات المكتومة وتهدأ أنفاسه
ينظر في حوله في قلق أو في أمل
ولكن لا شيء ..
تعلو صرخة مدوية

ثم يهدأ للأبد .. 

Friday, January 29, 2016

سور


تحاول أن تفتح عياناها ولكن جفناها يبدوان وكأنهما حجرين هائلين يأبيان أن يتحركا. تفكر في صمت.. منذ متى وهذا السور هنا؟ أنه سور هائل، قالت لنفسها لا يمكن أن يكون هنا منذ أكثر من عشر سنوات وهو نفس عدد سنين عمرها ولكنه يبدوا أقدم من هذا بكثير وكأن عمره بدأ منذ أكثر من مائة ليلة وهو يمتد ويشتد. لم تستطع أن تحدد بالضبط ما إن كان هو حديث أو قديم ولكنها على يقين أنها كثير ما قابلت هذا السور كثير ما وقفت امام دون حراك..
سور هائل من الحديد الصدأ الذي يمكنها أن تشتم رائحته دون أي مقاومة يبدأ من رأسها ليخترق عقلها بنظام معين يسمح للأفكار بأن تخرج ولكن ما إن تخرج تجد السور أمامها فتصدم به وتبدأ الأفكار تخرج وتتسارع وتتصادم فيحدث ما يشبه العاصفة التي تدمر كل شيء وكل فكرة تخرج تزيد من هياج تلك العاصفة والتي وتبدوا وكأنها ستدمر عقلها ولكن ذلك لا يحدث... يمتد السور ليخترق صدرها فتشعر بالصدأ يخرج مع أنفسها التي تتقطع وتثقل حتى تكاد تشعر بأن أنفاسها توقفت فتتسارع أنفسها المتقطعة لعلها تحافظ عليها ألا تختفي وكلما تحاول أكثر أن تنظم أنفسها يشتد السور ثقلا على صدرها وكأن جبلا موضوعا عليه ويجب عليها تحركيه مع كل نفس أو أنها أنفاسها ستتوقف للأبد ولكن ذلك لا يحدث... يمتد السور ولكنه لا يخترق القلب فقلبها هو الوحيد الذي مازال يقاوم ولو أن السور تمكن منه فألتف بحديده الصدأ حوله عدة مرات ويضغط عليه وكأنه يفتته ولكن القلب يتحمل وكلما حاول القلب أن يفك الحصار بأن يرسل بريق أمل أو رسالة حب لباقي الجسد يفاجئه السور بقطعة منه تشبه السهم تخترقه بهدوء شديد وكأنه يتفنن في تعذيبه فيغطي الدم السور ويهدأ القلب حتى يكاد يتوقف عن النبض ويتماسك ويحاول من جديد ويحدث نفس الشيء حتى يكاد يتفتت تحت ضغط السور ولكن ذلك لا يحدث... يتوقف السور عند القلب بأن يتلف حوله مئات المرات يتوقف لأن كل شيء ينتهي عند القلب ولكن  تحت القلب تحملها ساقيها التلان لم تعدا تحتملان بإمكانها تشعر بضعفهم واهتزازهم مع كل رعشة ألم تخرج منها لم تعد تستطيع أن تحمل كل ذلك وتسير هي تريد الجلوس حتى يداها لم يعدا يقدران على الحركة فمن يتحرك مع ذلك الحمل...
تسمع صوت يأتي وكأنه من أعلى بئر وهي في قاعه غارقة في الماء..
"حبيبيتي يلا أصحي .. هتتأخري على الشغل كده زي كل يوم"
تحاول جاهدة أن ترفع رأسها من البئر، تستجمع أفكارها في اتجاه واحد، تنظم أنفسها رغم كل شيء ، تجمع كل قوة في قلبها وتحاول محاولة يائسة أن تتمسك به لعله يكسر ذلك السور معاها تحاول أن تخبره عن السور وتقول :
"بس ..."
يرد عليها بأبتسامة صافية:" لا بس أيه يلا يلا بلاش دلع"
كانت تدري من البداية أن محاولتها تبدوا فاشلة فالسور قد توغل وتمدد بما فيه الكفاية لكي يستمر، تستلم وترفع الرايات البيضاء ، تترك أفكارها تتخبط من جديد وكأنها ستنفجر، انفسها تتباطأ وكأنها ستتوقف ، وقلبها على وشك أن يتفتت
ترفع رأسها ببطيء ترسل دموع ولكنها لا تستطيع أن تمر من السور فيخرج بدلا منها ابتسامة لا تدري كيف خرجت وتقول:

"حاضر.."