Wednesday, May 26, 2021

صفحة من يوميات عادية

                                                


يومياتي العزيزة،

 اليوم قررت تسجيل نهار عادي. قد يكون السبب هو النهار نفسه أو قد يكون هربا من تسجيل نهار غير عادي، مما سيتطلب من الكاتب اعترافات غير عادية قد تُستخدم في إدانته لاحقا في قضية ما أو في ليلة طويلة يحاول فيها الهرب من الأحداث غير العادية. أعود إلى أحداث النهار. اتجهت صباحا إلى وسط المدينة حيث المقاهي المفضلة لدي، والقهوة التي تشبه في مرارتها تلك الأيام التي قد لا تبدو سهلة ولكنها تدفعنا للحياة أكثر. كان الجو ربيعياً وهناك مطر خفيف فهو جو جميل بالنسبة إلى مدينة تقع في شمال أوروبا وقد يبدو الجو شتويا قليلا بالنسبة إلى المدينة التي أتى منها الكاتب. قطعت الميدان الواسع سريعا بدون سبب واضح، ربما توفيرا للعمر. وصلت للمقهى وبمجرد أن فتحت الباب حدث الموقف العادي الذي أردت تسجيله. 

 فتحت الباب وقبل أن أتم فتحه وجد جسد ضئيل يقف خلف الباب. سيدة عجوز تقف خلف الباب باسمة وممسكة بالباب. كنت على وشك ان أصدمها بالباب فتوقفت، ابتسمت وحاولت أن أعتذر بلغة قد تكون مشتركة بيننا. أتضح لي أنها لا تفهم تلك اللغة، وتتحدث لغة البلد، التي لا أعرف منها سوى كلمتي "أهلا" و"شكرا" ولم أشعر أنها الكلمات المناسبة في ذلك الموقف. قبل أن اتجه إلى القهوة، دار بيننا حوار سريع بدون كلمات وكأن أحدانا قال نكتة عن أني كنت على وشك أن اصدمها بالباب تبادلنا الابتسامات والنظرات الممتنة لذلك النهار الربيعي ورائحة القهوة التي تنتظرني. هل كانت تريد أن تحكي لي عن ابنها الذي في مثل حجمي وكان أطول من أبيه؟ ربما كانت تريد أن تخبرني عن زوجها الذي كان يأتي معها كل صباح ليتصفحا الجريدة اليومية. لم يحدث ذلك الحوار، فقط اكتفيت بابتسامة وحركات نحاول أن نتصاول بها دون لغة. لا أعلم لماذا، ولكن تلك المواقف العادية من التواصل البشري تجعلني دوما أشعر بشيء غير عادي اتجاه البشر واتجاه حياتنا معا على نفس الكوكب وكأن هنا شيء ما خفي يجمعنا كلنا بغض النظر عن اللغة والبلد. لثانية شعرت وكأنها جدتي بابتسامتها التي تجعلني أردد من دون أن اشعر بأن العالم بخير، ولا أخفي على يومياتي العزيزة أني أفتقد تلك الابتسامة كثيرا. 

 ربما للقصة بقية ولكني سأكتفي بهذا القدر، وحتى لقاء آخر في نهار أو ليل عادي.

Sunday, October 18, 2020

حوار بعوضتين

 


تسلل بعوضتان من شباك غرفة النوم في ليلة شتوية شديدة البرودة، ودار بينهم الحوار التالي.

البعوضة الأولى: هي إلى الداخل بسرعة، سنموت من البرد.

البعوضة الثانية: أو بالأحرى سنموت من الجوع قريبا، إذا لم نجد أي بشر.

البعوضة الأولى تصدر صوت "زن" عالي وتتحرك نحو ركن من أركان الغرفة: أنظري هناك رجل غارق في النوم وساقه ومكشوفة والعروق ظاهرة وكأنها تنادينا. يبدو من غطيطه أنه تعشى لحمة حمراء ستعجل من دمائه أجمل وجبة.

البعوضة الثانية لا تجيب وتتحرك في الاتجاه الآخر ويصدر عنها صوت "زن" هادئ: أنظري .. ذلك الضوء الأزرق اللامع !

البعوضة الأولى: ما به؟

البعوضة الثانية: أنه أجمل شيء رأيته في حياتي

البعوضة الأولى: أجمل من ساق هذا الرجل؟ أو السيدة التي تركتنا نعشى أمس من دماء يديها دون أن تحركها طول الليل؟

البعوضة الثانية: البشر في كل مكان ودمائهم سهلة، أما هذا الضوء يبدو شيء آخر. يبدو وكأنه باب لعالم مختلف.

البعوضة الأولى: أي عالم؟ هل سنجد ما نأكله ونشعر بالدفء هناك؟ ذلك الضوء يذكرني باللون الأزرق الذي نراه في السماء في الليلة شديدة المطر. أذكر أننا رأيناه أمس.

البعوضة الثانية: هل كل ما هو أزرق متشابه ؟ ثم الغرفة ليس بها أي مطر ولا برودة. نحن بالأحرى سنموت قريبا مثل كل البعوض، ماذا لو أن ذلك الضوء سيعطينا حياة جديدة؟ ماذا لو أنها بوابة لعالم البشر وسنصبح مثلهم خالدين ولا نموت في أسابيع قليلة كحالنا الآن؟

البعوضة الأولى: لا أعلم. كل ما أراه هو ضوء لامع مثل كل ضوء. أما ساق الرجل فهي ما أعرفه. طعامنا. ماذا لو كانت حيلة من حيل البشر؟ كتلك الشبكة التي يضعونها في غرفهم فلا نستطيع أن نصل إليهم. ألا تذكرين أمس عندنا رأينا بعوضة عالقة في واحدة منهم وماتت مكانها.

البعوضة الثانية: لم كل هذا الخوف؟ لو حدث أي شيء سنطير بعيدا. هذا الضوء الأزرق يبدو وكأنه هو باب عالم نحلم به ، هو أجمل شيء رأيته وأقرب شيء للحقيقة.

فجأة تظهر بعوضة ثالثة تطير وتزن بصوت عالي وهي تقول: أيها الحمقى لماذا تقفون أمام الضوء هكذا؟ سأقترب منه.

فجأة سمعوا صوت "زززز" وسقطت البعوضة ميتة بجانب الضوء.

البعوضة الثانية: من الواضح أنه يشبه ضوء السماء فعلا.

البعوضة الأولى: بل بالتأكيد أنه باب لعالم آخر ...

 

Tuesday, August 18, 2020

فرصة أخرى

 

رفع مستوى صوت مذياع السيارة لأعلى عندما سمع بداية الموسيقى الخاصة بإحدى أغانيه المفضلة. فتح النافذة الأمامية وأشعل سيجارة وهو يدندن مع الأغنية. لم يشعر أن سرعة السيارة تزداد إلا عندما تفاجئ بسيدة كبيرة أمامه تتبع شاب وهم يحاولون أن يعبروا الطريق السريع. حاول ان يتفادى الاصطدام بهم ولكن سرعة السيارة كانت عالية جدا وفجأة شعر بكل يدور حوله وبدأت السيارة في الانقلاب. لثواني قليلة لم يشعر بأي شيء وكأن الظلام والصمت يحطان به لدقائق قليلة. فجأة ظهر شخص أمامه.

-        الشخص الغريب: أهلا يا "كريم" ، لقد جئت لأعطيك فرصة أخرى.

-        كريم: ماذا يحدث؟ هل أنا أحلم؟ أم هذه دعابة من نوع ما أو برنامج تلفزيوني؟

قالها وهو يتحسس جسده ويتأكد من أنه موجود بالفعل وأن جميع أجزاء جسده موجودة وبخير.

-        الشخص الغريب: أمامك فرصة سهلة للنجاة من ذلك الحادث.

أخرج ذلك الشخص ورقة بيضاء صغيرة من جيبه ووضعها أمام كريم.

-        الشخص الغريب: الشروط سهلة، عليك أن تكتب جملة واحدة على تلك الورقة وتضعها على الطاولة بجانب باب الشقة. وسيبدأ اليوم من جديد ومن المفترض أن تكتب جملة واحدة تمنعك لاحقا من ارتكاب ذلك الحادث... ولكن لا يمكنك أن تكتب أي شيء عن الحادث نفسه أو أن تكتب أي شيء يُظهر حقيقة شخصك أو بمعنى آخر ينبغي أن تظهر الجملة وكأن شخص آخر كتبها.

ساد الصمت للحظات وكريم يحاول أن يفهم حقيقة ما يحدث ومازال على يقين أنه يحلم أو عنها مزحة ثقيلة .. ثقيلة جدا.

-        الشخص الغريب: هل أنت مستعد؟

-        كريم: أنا لا أصدق ما يحدث

-        الشخص الغريب: هل ترفض فرصة ثانية لتصلح خطئك؟

صمت كريم لدقائق وأشار له بالموافقة وأن يعطيه الورقة وقلم لكي يكتب جملة ما. ظل يفكر لما يقارب الساعة في تلك الجملة التي قد تمنعه من أن يرتكب ذلك الحادث. لم يفكر في شيء سوى أن يكتب رسالة لتبدو أنها من زوجته تخبره فيها أن تنظره وأنها تحبه وعليه أن يتوخى الحظر أثناء قيادة السيارة ليعود لهم سالما. كتب الجملة وطوى الورقة وأعطاها للشخص الذي يقف أمامه.

-        الشخص الغريب: حسنا، لن أقرأ ما كتبت، ولنرى النتيجة معا.

فجأة وجد كريم نفسه في منزله وكاد أن يركض نحو غرفته قبل أن يمسك به الشخص الغريب ويخبره أنهم هنا فقط للمشاهدة ولا يمكنهم تغيير أي شيء. وضع الرسالة في المكان المتفق عليه. وانتظروا استيقاظ كريم الآخر. بعد دقائق رأى نفسه وهو لا يكاد يصدق الأمر، رأى نفسه يستعد للخروج. عندما أمسك الورقة ، تسارعت دقات قلب كريم الأول وشعر بالقلق، ورأى نفسه وهو يبتسم ويقبل الورقة ويضعها في جيبه ويخرج. وكأن شيء لم يكن، الأغنية نفسها في المذياع، يفتح النافذة، يدخن السيجارة، والسيارة تنقلب.

عادو لنفس الغرفة ومرت ساعات طويلة وكريم يحاول كتابة جمل أخرى كثيرة، مرة على لسان زوجته ومرة وكأن الكاتب هو أولاده الصغار ، حتى أنه حاول أن تكون الرسالة من أمه ولكن لا فائدة. شعر الشخص الغريب أن كريم بدأ يستسلم.

-        الشخص الغريب: حسنا، سأعطيك نصيحة غالية. إن كنت تريد أن تكتب جملة وتغير الأمور فعلا عليك أن تتعمق بداخل عقلك وقلبك. عليك أن ترى حقيقة نفسك، أن تتبع المناطق المظلمة بداخلك، تتذكر كل ماضيك ، مخاوفك، أحلامك، كل شيء وكل شخص أحببتك وكل شيء وكل شخص كرهته. عليك أن تستجمع نفسك وتصل لتلك الكلمات التي ستغير عقلك وقبلك. المهمة ليست سهلة ولكنها فرصة أخرى للحياة...

صمت كريم تماما طوال ست ساعات يفكر فيما قاله ذلك الشخص الغريب، يحاول أن يطارد أفكاره، يحاول أن يجد تلك الكلمات التي ستغير كل شيء. ظل يفكر ويفكر .. وفجأة انتفض في مكانه وانطلقت منه صرخة صغيرة وكأنه أستطاع أن يصل لما يبحث عنه، لتلك النقطة بداخله التي لم يستطع أن يصل إليها في حياته كلها ولكن ربما يصل إليها في فرصته الأخرى.

كتب الجملة بكل حماس وطوى الورقة وأعطاها للشخص الغريب وهو يقول له أن يشعر أن الأمر سينجح هذه المرة. وجد كريم نفسه مع الشخص الغريب مرة أخرى في منزله. وعندما قرأ كريم الآخر الورقة ظهرت علامات التعجب على وجهه هذه المرة. لم يشغل المذياع  بل أختار هو أغنية معينة لها موسيقى هادئة وفتح النوافذ كلها وأشعل سيجارة وتوقف لشراء كوب قهوة وكان يقود هذه المرة بهدوء تام ويتلفت على جانبي الطريق وينظر على كل كوبري يمر بجانبه أو من تحته. وعندما وصل للسيدة والشاب كانت السيارة تمشي ببطء فتفادهم بسهولة.

نظر كريم للشخص الغريب وهو يبتسم والشخص الغريب يكاد لا يصدق أنه نجح بالفعل. فسأله أن يريه تلك الورقة فوجد مكتوب فيها:

" خلي بالك في رادار على الطريق"  

نظر لكريم في دهشة. فقال له كريم: "انت عارف المخالفة بكام دلوقتي؟"

 

Saturday, May 16, 2020

مكتبتي وحادثة الخيانة




الأمر كله بدأ وانا ما زلت طفل صغير عندما أعطتني أختي رف في مكتبتها لأضع فيه كتبي العزيزة والتي كانت تعد على أصابع اليد واشترت لي هي معظمها. وتطور الأمر بعد سنين قليلة وخلال دراستي الإعدادية حصلت على مكتبتها القديمة والتي كانت تتكون من أربع رفوف صغيرة وبعد ذلك خلال الدراسة الثانوية أشترى لي أبي مكتبة تشبه القديمة كثيرا ولكنها أوسع وتتسع لكتب أكثر. في تلك الفترة بدأ تعلقي بالمكتبة والكتب والقراءة يزداد. وكانت مكتبتي مشروع عائلي أيضا، فأمي كانت تساعدني بإمدادات مالية قبل معرض الكتاب الذي أتشارك رحلته مع أخي وأختي. أتذكر أني قرأت يوما أن ترتيب الكتب في المكتبة هو نوع من الفلسفة. وقد بدأت ذلك النوع من الفلسفة في ذلك الوقت.  واستمتعت بها أكثر خلال الدراسة الجامعية عندما طلب أبي من نجار أن يصنع لي واحدة من تلك المكتبات الكبيرة التي تسكن حائط بأكمله تشبه كثيرا مكتبة أختي ولكنها تتكون من قطعتين منفصلتين بدلا من واحدة كبيرة. أصبح لدي رفوف واسعة وكثيرة هذه المرة تسمح بكثير من الفلسفة. فمثلا أضع كتب توفيق الحكيم بجانب نجيب محفوظ فلكل منهم فلسفته وعبقرية خاصة ولكنهم متفقين بالنسبة لي في المكانة.  أضع روايات رضوى عاشور بجانب رواية زوجها مريد البرغوثي وبجانبهم "رجال في الشمس" لغسان كنفاني فهم أصحاب قضية واحدة. 

أذكر أنه كان لي تجارب قليلة مع قراءة الكتب الإلكترونية عندما لم أجدها متاحة ورقية أو عندما أردت أن أقرأ في المواصلات وبالأخص خلال الليل. أتذكر قراءاتي لروايات نجيب محفوظ ومسرحيات توفيق الحكيم خلال رحلة المترو الأسبوعية. كانت وسيلة جيدة لتخفيف رحلة نهاية الأسبوع. لكني لم أشعر أبدا أني تخليت عن مكتبتي لأن هذه الكتب إما أملكها بالفعل أو لا أجد لها طبعة ورقية في الأسواق. وكانت مرات قليلة على أي حال.

الأزمة حدثت مؤخرا. عندما سافرت بعيدا عن مكتبتي ولم أستطيع سوى حمل كتابين أنهيتهم في الأسابيع الأولى واكتشفت المشكلة. فالمشكلة أنني كنت بحاجة إلى كتب أكثر خصوصا أن المكتبات في البلد الجديدة ليس بها كتب باللغة العربية والكتب باللغة الانجليزية قليلة جدا. لم أجد حل سوى الكتب الإلكترونية واكتشفت انه يمكن تحميل Kindle  كتطبيق على الهاتف وليس علي شراء الجهاز وأصبح أمامي تشكيلة لا نهائية من الكتب العربية والإنجليزية بنسختها الأصلية. شعرت بتلك المتعة التي كنت أشعر بها وأنا أختار وأرتب الكتب الجديدة في المكتبة في البيت وشعرت بخيانة اتجاه مكتبتي القديمة لأنه أصبح لدي مكتبة أخرى جديدة. أظن بأن الحل الوحيد لتلك الأزمة هو شراء كتب جديدة لكلا المكتبتين على حد سواء ولكن في الحقيقة يبقى قلبي معلق بالمكتبة القديمة والكتب الورقية، حيث تشعر بالكتاب بين يديك ورائحة الورق وتشعر بالحزن عندما ترى الورق المتبقي في الكتاب أصبح قليل وقريبا ستفارق صديق عزيز، حيث تشاهد الكتب وأغلفتها متراصة في هدوء وجمال، لا أظن بأن هناك شيء سيبدل كل ذلك.

 


Monday, May 4, 2020

عن الرجال والبنادق لغسان كنفاني



انتهيت لتوي من قراءة المجموعة القصصية لغسان كنفاني وأخذ الكتاب على الفور مكانة خاصة في قائمة كتبي المفضلة. عادة أقيس مدى إعجابي بالكتاب بالمدة التي أنتهي منها في قراءته وعندما بدأت في قراءة الكتاب كنت أنوي قراءة قصة واحدة ولم أستطع أن أتوقف عن القراءة إلا بنهاية الكتاب. أتفق مع أحد التعليقات التي قرأتها عن الكتاب أن تلك القصص تعد سببا أو تفسيرا عن قيام الاحتلال باغتياله. تلك القصص تعد مقاومة في حد ذاتها فهي حقا قصص "عن الرجال والبنادق". فالقصص تؤرخ قضية وتؤرخ مقاومة أصحاب حق وأصحاب أرض ، كما أنها تؤرخ ألم وشتات.
أشعر بأن لدي الكثير من الكلام عن الكتاب ولكني لا أجد أبلغ من الكتاب نفسه. فالكتاب يحمل حياة مجموعة من رجال، حياة كاملة وليست قصص قصيرة ، يحمل قصة بندقية، قصة مفتاح ثقيل يشبه الفأس، قصة الجوع وسنوات الاشتباك، قصة الجد والأب والابن والأم والأخت. رحمة الله على الكاتب المقاوم غسان كنفاني.

Sunday, November 17, 2019

السيدة مالين – الجزء الأول



بمجرد أن أغلق الباب شعر وكأن الشقة أصبحت أوسع، أوسع مما يجب. ذلك الهدوء الزائد يجعله يفكر أكثر من المطلوب ويتساءل لو أنه تسرع في يعيش وحيدا، وليس فقط وحيدا ولكنه وحيد في بلد غريبة وبعيدة عن مدينته. حاول أن يشغل نفسه بأن يفرغ الحقائب ويضع كل شيء في مكانه، ولكن ذلك الشعور الغريب الذي بداخله بدى وكأنه مرض يتفشى في داخله. قرر أن يعود للفندق الذي نزل به قبل أن يقوم بتأجير تلك الشقة وبرر ذلك لنفسه أنه الشقة ليست جاهزة بعد، والتأجيل بالطبع ليس له علاقة بالشعور الغريب الذي ينتابه. انتهى من ترتيب أشيائه ليلا وقرر أن يغادر الشقة ليعود للفندق. وهو في طريقه للباب الخارجي قابل سيدة عجوز في الممر الذي بين باب الشقة والباب الخارجي. حاول أن يشرح لها أنه المستأجر الجديد للشقة ولكنها بدت أنها لا تفهمه ويبدو أنها لا تتحدث إلا لغة تلك البلد الغريبة ولا تعرف شيء عن اللغة الإنجليزية. هرب من المكان خوفا من تظن السيدة أنه 
شخص جاء ليسرق البيت. بات هذه الليلة في الفندق، وبعد يومين لم يجد مفر من أن يقضي أول يوم في الشقة الجديدة وحيدا.
مر نهارأول يوم بسلام وقبل غروب الشمس بقليل، لمح شبح شخص يمر من أمام نافذة المطبخ، ثم سمع طرق خفيف على الباب. نظر من خلال ثقب الباب فوجد سيدة عجوز. تفاجئ وازداد ذلك الشعور الغريب بداخله أكثر. فهو شخص مجهول بالنسبة لسكان هذه المدينة. واستعد لأن يسمع جمل عن أنه لا ينتمي لهذا المكان وربما يسمع بعض التهديدات. ولكنه تفاجئ بالعكس تماما، وجد سيدة عجوز هادئة، تسأله أسئلة كثيرة بلغة البلد التي لا يفهم منها شيء. لم تعطه فرصة أن يشرح لها أنه لا يفهم حرف مما تقول ولكنها كانت تبدو انها تدرك ذلك، ولعلها شعرت بأنه لا بأس بقصة أو اثنتين حتى لو لم يفهم شيء. بدأت وأنها تحكي عن المكان وربما ترحب به أو تحكي عن أولادها التي سيعرف لاحقا أنهم ثلاثة. لم يستطيع ان يقطع حديثها ولكنه وقف مستمع وحاول أن يستخدم هاتفه لكي يترجم الحديث ولكن السيدة العجوز لم تفهم الأمر. اكتف بابتسامة وهي ردتها له بابتسامة أخرى أكثر دفئا. ودعته وتركته وفتحت الباب المقابل له ودخلت شقتها.  عندما أغلق الباب اكتشف ان هناك دفء تسلل من الباب بالرغم من برودة الجو. شعر للمرة الأولى أن تلك الشقة الصغيرة قد أصبحت بيته الجديد.  لم يعرف أسم جارته ولم يعرف أي شيء عنها تقريبا ولكنه شعر بأن لديها الكثير من الحكايات التي يود أن يسمعها فتلك السيدة قدمت له هديته غالية وجعلته ينام تلك الليلة مرتحا. 


Wednesday, July 17, 2019

لقاء



لم يقطع ذلك الصمت الرهيب سوى صوت الماء وهو يغلي. كانت تجلس أمامه وكأنها تجلس أمام شخص غريب. أستأذنها وقام ليصب الشاي. دارت هي بعينيها في المنزل فهناك شيء ما منعها من أن تقوم وتدور فيه، وشيء أقوى منعها من أن تدخل غرفتها القديمة. لعلها شعرت وكأنها ستجد تلك الفتاة الصغيرة جالسة على سريرها تأن وتتوجع وتبكي دون أن يصدر عنها صوت مسموع وعلامات الضرب بادية عليها. كانت الجدران كئيبة كما تركتها والشبابيك يعلوها التراب. كل شيء كما هو، تماما كآخر زيارة لها منذ خمس سنوات عند مرض أمها وقضت في ذلك المنزل شهر كامل حتى رحلت أمها ورحل معها كل أسباب بقائها في ذلك المنزل. ومع رحيل أمها بدأت المشاكل مع زوجها أيضا فكيف لها أن تقضي شهر كامل بعيد عن منزلها وتترك زوجها وحيدا، خمس سنوات شعرت بنفس الألم القديم مع اختلاف صوَره. انتهى كل شيء مع زوجها منذ أيام قليلة عندما أكتشف أنها لا تنجب ولم يجد أي سبب إذا في بقائهم معا وأخبرها أنه ليس لها حق في الشقة ولن يعطيها سوى سيارة قديمة ومبلغ صغير من المال مقابل "العِشْرة" التي بينهم وأن عليها أن تبحث لها عن حياة أخرى بعيدا عنه.
عاد أبيها وهو يحمل أكواب الشاي. تأملت وجهه، كانت السنوات الخمس واضحة عليه وعلى تلك التجاعيد الجديدة. ولكن شيء ما تغير لم تدرك ما هو بعد. بدأت هي الكلام قائلة:
- شكرا يا بابا، مكنش له لزوم التعب.
- تعب ايه بس يا لبنى، كفاية الانتي فيه.
- معلش ، انا مكنش عندي أي مكان تاني أروحه. انا هقعد هنا يومين لحد ما اظبط مكان مع واحدة صاحبتي وكلمت حد هيشوفلي شغل تاني مع شغلي وربنا يسهل.
- متقوليش كده يا بنتي ، ده بيتك وانا باخد ايجار الشقق في العمارة بيكفيني وزيادة اوي، فخليكي هنا.
سمعت هي جملة أبيها وكأنها لم تعني لها أي شيء. كانت تشعر وكأنها طائر محاصر قد انهكته الهروب الدائم ممن يريد افتراسه. سمعت صوت دقات ضعيفة على الباب ووجدت أبيها يقوم سريعا وهو يقول: "ده أكيد محمد". ووجدت ملامح أبيها تتغير وارتسمت على وجهه ابتسامة لم ترها من قبل. فتح الباب فدخل صبي صغير وحضن أبيها حضن لم تنله هي كثيرا عندما كانت في سنه، وأخرج أبوها مبلغ من المال من محفظته وأعطاه له وهو يقول: "متقولش لأبوك بقى". ثم عاد وجلس أمام أبنته أخبرها أن هذا الصبي هو محمد حفيد الحاج مصطفى جارهم في الدور علوي وأن أبنه هو من يسكن البيت الآن. شعرت هي بحيرة كبيرة وهي تتذكر كيف أن أبيها لم يكن يتحمل لعبهم وهم صغار هي وأخوها. ولم يفرق بينهم الاثنين، لا الولد ولا البنت فكلاهما نال حظه من المعاملة السيئة. فحتى في مرض أمها لم يتحمل صراخ حفيدته، أبنة أخوها محمود، والذي أقسم بعد وفاة والدته ألا يدخل هذا البيت من جديد. شيء ما بدا غريبا في أبيها غير علامات السن التي تبدو طبيعية مقارنة بالأشياء الأخرى. سألها عن حالها، وعن حال محمود أخوها وأنه لم يعرف شيء عنهم برغم محاولاته للوصول إليهم. وبالطبع خص بالذكر محمود وأنه يعرف أنه قد سافر وحصل على عنوانه ورقم تليفونه وحاول الاتصال به دون جدوى، بل وأرسل إليه بخطاب. وكان يحاول أن يمازحها بشأن إرساله لخطاب وكأنه يعيش في عصر قديم ولكنه بدى وكأنه يخفي ألم أكبر، هل يكون ذلك ألم إنكار ابنه الكبير وجوده؟ ظهر ذلك السؤال الغريب في رأسها وهي تنظر إلى الأرض وتتذكر عندما أخبرها محمود بشأن الخطاب وأنهما ضحكا بخصوص ذلك ولم يفكرا حتى في الرد. بعد ذلك حدث شيء أكثر غرابة، قام أبيها من مكانه وتوجه نحو خزانة قريبة وأخرج صندوق لم يكن عليه أي تراب وبدا وكأنه يخرجه كثير من ذلك المكان. فتح الصندوق وأخرج صور لهم كثيرة وأشياء احتفظ بها من طفولتهم وأخذ يحكي قصة كل صورة وكل ورقة في ذلك الصندوق ويتوقف من الوقت للآخر ليداري دموعه التي لم ترها أبنته في حياتها أبدا. لم تستطع هي أن تفعل الأشياء التي يفعلها الأولاد لآبائهم في تلك المواقف، لم تستطيع أن تحتضنه وأن تقبل رأسه وتخبره أنه كان أفضل اب في الدنيا وأفضل صديق وأفضل أخ ، لم تستطع ذلك أبدا. ولكنها فعلت شيء آخر جديد عليها، استمعت لكل كلمة يقولها ولأول مرة كانت تستمع له بقلبها وليس بأذنها فقط هروبا من العقاب. فجأة لمعت عيناه وكأنه وجد شيء ثمين، أخرج سلسلة ذهبية من صندوق صغير، وقال وهو يبتسم:
- دي أخر هدية جبتها لأمك الله يرحمها، أول ما عرفت بمرضها نزلت يوميها بليل جبتها ليها، كان نفسها فيها من زمان وانا كنت بفضل اتحجج بأي حاجة، بس ساعتها حسيت انه خلاص مفيش حجج. انا فاكر كانت مبسوطة بيها ازاي الله يرحمها وقالتلي كنت خلي الفلوس دي للعلاج ولا للعيال .. وبعد ما قالت العيال سكتت كده وانا عارف هي سكتت ليه ..
هذه المرة لم يستطيع أن يداري دموعه انطلقت وكأنه هو الطفل الذي يختبئ من الغرفة، ولكن الألم هذه المرة يأتي من أشياء كثيرة ويأتي من سنين طويلة. وجدت نفسها لأول مرة ترتمي في حضنه وهي تقول:
- هو ايه الحصل يا بابا؟
- مفيش يا بنتي، كنت فاكر انا كده هطلعكو للدنيا ناشفين، وبعد ما أمك الله يرحمها تعبت ، لقيت نفسي لوحدي. مكنتش عايز أعيش، وبعدين الواد محمد الشفتيه ده لقيت أهله بيسبوه معايا من وهو في اللفة، وكبر على أيدي وحبيته وخفت عليه بس عمري ما زعلته وبعدين أفتكرت انا عملت معاكم ايه ، بس واضح انه كان متأخر أوي.
لم يشعرا بالوقت يمر، لأول مرة لا يبدوا الوقت أبطا من المعتاد وهما يجلسان وحيدان. كانت تدري بأن بعض الجراح القديمة لن تلتئم قريبا ولكن الوقت قد لا يمهلها أن تلتئم ففضلت أن تبقى في هذا الحضن الغريب الذي يبدو لأول مرة مألوفا لها.