Friday, January 2, 2015

تعلمنا وكبرنا ...

الوقت، الوقت هو الحقيقة الثابتة التي لا يسعنا تغييرها. عقارب الساعة تتحرك ,حتى لو أمسكنا بها في أنها ستتحرك في الخفاء. حقيقة لا يمكن التلاعب بها. فالثانية تبقى ثانية مهما مر زمن، الثانية تمر على الملك على عرشه كما تمر على الفقير النائم على الأرض الصلبة ليس هناك فرق. الزمن لا يعود، لا يتأخر، لا يا يتسرع. لعل المفر الوحيد من الوقت هو أن نواجه، فالحقيقة لا مفر منها إلا بإقرارها. لا يسعنّا إلا أن نكف عن الهروب والاختباء وفقط نواجه الوقت بعقاربه التي لا تتوقف...
تعلمنا ونحن صغار أن العصافير هي كانت سعيدة، يربيها الانسان في منزله وعندما يستيقظ يجدها تغني وتزقزق معلنة قدوم الصباح ولكننا كبرنا لنكتشف أن الواقع مغاير تماما لهذه الحالة , فالحقيقة هي أن العصافير تصرخ , هي لا تزقزق وتغني للإنسان أو بالأحرى السجَّان الخاص بها بل هي تصرخ وتستنجد بالسماء البعيدة، بالسحاب، بالشمس والعصافير الحرة البعيدة التي ترد عليها صراخها بزقزقة أخرى مختلفة تحكي للعصافير كيف هي الحياة في الحرية في السماء. العصافير لا تقترب من البشر لأنها تريد أن تلعب بل تقترب لكي تنقعه أن منطقه هو منطق عبودية. عندما يأتي الليل لا تنام العصافير في القفص هادئة – فمن ينام في الأسر! – بل هي تحدث السماء المظلمة والقمر الحاني عليها.
كان القمر ونحن صغار يطاردنا في الشوارع، كصديق لا نمل مصداقته. كان يظهر في ليالي الشتاء القارصة البرودة متحديا البرد, وليالي الصيف الهادئة يظهر أيضا ولا يبحث عن الراحة. يطاردنا أينما ذهبنا شمالا أو جنوبا، شرقا أو غربا، صديق دائما معنا في الليالي المظلمة. يغير شكله على مدار الشهر وكأنه يظهر جماله في أشكال مختلفة ولكننا نكبر ... وندرك أن القمر ما هو إلا صخرة كبيرة، تراب وفوهات كما أنه ليس مضيئا على الإطلاق بل هو معتم...
ذلك التراب هو في الأغلب نفس التراب الذي تعلمنا ونحن صغار أن نتمسك به وأنه أغلى من حياتنا! التراب الذي تخرج من أجله الجيوش دافعا عنه, تراب الوطن ... كنا نتعلم في المدرسة عن الحروب التي ندافع بها عن الوطن وخيراته وسمائه وأرضه. الحروب التي خرج فيها أجددنا وأجدادهم من أجل أن نعيش حياة هانئة سعيدة. كانت الحروب تعني الشجاعة والقوة والأهداف السامية. مع الوقت أتضح أنهم أخفوا الحقيقة في صور مزيفة، كبرنا لنعلم بان الجندي الذي يقف ليرفع علم بلده لا يقف فوق صخرة عالية بل يقف فوق أشلاء جنود آخرين تركوا عائلتهم ورائهم وخرجوا من أجل التراب. لم يصوروا لنا الخوف والرعب الذي يأتي جنبا مع جنب مع كل لحظة في الحروب. لم يجرؤ أحد على ذكر العائلات المشردة، الأمهات اللاتي مازلن يبحثن عن أبنائهن أو حتى بقاياهم. كانت الصور تبدوا خضراء دائما صورة الزي العسكري مع أن حقيقة اللون المناسب للحروب هو اللون الأحمر القاتم لون الدماء الجافة. علمونا أن الحروب تبني ولكن الحقيقة أن الحروب تدمر وتحرق وترشد ولا تدع سبيل للبناء. علمونا "الوطن"، "تراب الوطن"، "سماء الوطن"، "خيرات الوطن"، ولكننا كبرنا لنجد الوطن هو تراب و تراب وتراب وقبور. والحقيقة هي أنه يوجد تراب وسماء وخيرات ويوجد ممالك وملوك. يموت الملايين ولكن يعيش الوطن (الملك)، يمرض الملايين ولكن يبقى الوطن معافى (الملك)، عليك أن ترضى بالشقاء والتعاسة لأنه الوطن باقي حتى نهاية حكمه. علمونا أننا نعيش في الوطن, مع أن الحقيقة هي أننا نعيش على الأرض وأن كل انسان لا يختلف بأي شكل من الأشكال مهما كان "وطنه" ولكن كان لابد من أننا "شعوبا وقبائل" ليس "لتعارفوا" ولكن لتقام الممالك ويعيش الملك أو الوطن مهما كانت التسمية...
تعلمنا الحكم صغارا , تعالمنا أن نختار الجار قبل الدار، وكبرنا و اختارتنا دور كثيرة واختارنا كثيرا من الجيران ولكن كل جار يتحول إلى شبحٍ ويمضي بعيدا. شبح يطارد بماضي قد ذهب ويجعل المستقبل يضطرب. تعلمنا أن ذلك الجار هو من يبقى ويسهر معك ولكن الحقيقة هي أن الأشباح فقط تشاهد دون أن نراها. تعود بعض الأشباح للحياة ولكنها تختفي في الظلام مجددا وتعود وحيدا في الدار التي لم تختارها بعد أن أختفى الجار كالشبح والذي اخترته. يكون ليل طويل وصعب تدرك فيه كيف أن الجار حقا هو كل شيء والدار لا يعني شيء ولكن للأسف الأشباح لا تسمع ولا الألم لا يظهر لهم , فقط صور عابرة لك ولهم تلوح وتختفي.
تعلمنا أنه يوجد دائما ضور في نهاية النفق , أحلامنا وكل شيء نسعى إليه ومن نحب ولكننا كبرنا لنجد أن النفق قد أنهار منذ سنوات طويلة وأن النفق ما هو إلا ظلام والضوء في النهاية هو أطياف من الماضي. والليل يطول ويطول دون أن يظهر نهار أو يقترب الضوء ونسمع الضحكات البعيدة ولا نرى سوى الدموع. تتغير صورنا في المرآة ومع كل تغير يظهر جرح عميق في قلوبنا.

أظن بأن الأمل ليس في الضوء في النهاية النفق، ولا في أحلامنا، فالسطور السابقة يبدوا الواقع مظلم شديد الظلام وذلك لأن السطور مكتوبة بقلم شخص أدرك حقيقة الوقت ووقع في فخه وبدأ يكبر ويترك الوقت يمر ويمر ويكبر ... ولا يوجد أمل في مصارعة الوقت فالمنتصر سيكون الوقت دائما، الحل والخروج من هذا المأزق هو أن يعود الطفل للحياة من جديد لكن هذه المرة يعود طفل وهو يدري , طفل لديه خبرة , طفل يرى القمر يطارده ويشاهد جماله ويتمنى أن يتمتع الجميع بنفس هذا المنظر، طفل لا يدري شيء عن الوطن ولا الحروب، هو فقط يرى السماء من فوقه والأرض من تحته والبشر من حوله ويخاف كل الخوف من لون الدم ومن الشعور بالضياع. طفل لا يحمل كره أو بغض لأحد يتمنى أن يكون الجميع سعداء بلا فارق، طفل ينام ليلا وهو لا يفكر ولا يحلم إلا في أنه في صباح ما سوف يستيقظ ليجد نفسه يستطيع أن يطير في السماء بين العصافير خارج أي قفص أو حدود. طفل يحلم ويحلم دون أن يخاف من الصباح التالي ودون أن يفكر في أن نظام العالم قد أختل. طفل يرى العدل عدل والظلم وظلم. وبالتأكيد طفل لا ينظر كل ثانية نحو عقارب ساعته التي تطارده فالنسبة له أو لها ، الحياة تقاس بحبه للناس وحبهم له وسعادتهم وساعدته في عالم أبيض كبير ... 

Sunday, November 30, 2014

رضوى عاشور



لم أرى رضوى عاشور يوما وجها لوجه _وهو من الأشياء التي أشعر بالندم من أجلها_ ولكني أشعر بأني على تمام المعرفة بها وأني فقدت شخص عزيز ومقرب مني. فمن يقرأ كلماتها الساحرة لن يشعر بأي شيء آخر. كل عمل من أعملها يجعلك تتعلق بأشخاص لم تراهم وأرض لم تعش عليها. سردها التاريخي الروائي الشيق لم ولن يتكرر. لم أعرف معنى للوطن غير في كتابات رضوى , لم اتعلق بكتاب واتلهف على ابطال الرواية مثلما تعلقي بابطال روايتها , وروحها الرقيقة كانت واضحة في كل حرف كتبته ورؤيتها المختلفة للعالم .
رحم الله رضوى 

https://www.goodreads.com/search?utf8=%E2%9C%93&query=%D8%B1%D8%B6%D9%88%D9%89+%D8%B9%D8%A7%D8%B4%D9%88%D8%B1

اتصال بعيد


ينزع الغطاء عن جسمه مفزوعا وهو يصيح : "ماما ,, ماما ,, انا شفت حلم وحش !". لم يسمع ردا ,فقرر ان عليه أن يبحث عن أمه بنفسه في كل غرف المنزل قبل أن يتذكر أن موعد عودتها من العمل لم يحن بعد فيصاب بإحباط شديد لا يخفف عنه إلا شعوره بقليل من الدفء الباقي من الليلة السابقة عندما غطته بيديها ووضعته في سريره. يتجه إلى المطبخ ويحضر الطبق الذي وضعت له فيه فطاره مرتب وجاهز للأكل. أمسك ريموت التلفزيون يبحث عن برنامج يلهيه عن انتظاره الطويل جدا لأمه. يشاهد بعض الرسوم المتحركة وتبدأ الساعة تتحرك ببطء. مع اقتراب الساعة من تكون الثانية بالتمام وهو موعد عودة أمه تتحول جميع أعضاءه وحواسه بل وأفكاره إلى أذن تهرف السمع لكل حركة بسيطة كانت أو كبيرة تأتي من ناحية الباب لعلها تكون خطوات أمه. حتى تحين اللحظة ويسمع حركة المفتاح في الباب فيسبق أمه في فتح الباب ويفاجئها بالحضن العميق المعتاد ويقول لها بحزن وهو يتظاهر أنه في قمة حزنه :"شفت حلم وحش يا ماما , وأمت مفزوع ملقتكيش خالص!" تنسى أمه يومها الطويل ,وأنها استيقظت مبكرا لكي تعد الإفطار وتذهب للسوق وبعد ذلك تتجه لعملها وتعود في الظهيرة تحت الشمس التي تجعل أقوى رجال العالم تخور قواهم, ثم تسأله في اهتمام بالغ عما حدث له وبعد ذلك تشجعه أن يتخطى الأمر وتسبقه بقبلة على خده تجعله فمه ينفتح وينسى كل مشاكله وأحلامه "الوحشة". بعد ذلك يجلس مع أمه في المطبخ وهي تعد الطعام ويشاهد معها فيلم أمريكي من أفلام التشويق وكالعادة يتنافسان في تحليل الفيلم واستباق الأحداث. وبعد ذلك تتجمع العائلة من أجل الطعام ويجلس الجميع على الطاولة الصغيرة لتناول الطعام وكل له مكانه مخصص وهو يحاول فقط أن يجد مكانا ملاصقا لأمه وعندما يفشل يكتفي فقط انهما يتشاركان نفس المكان. تمر بعد ذلك ساعات اليوم سريعا قبل أن يجد نفسه يعود للسرير من جديد وكانت هذه واحدة من أسعد لحظات حياته لأنه حينما تضع أمه الغطاء فوقه يعلم جيدا بأنه سيظل يشعر بالدفء أمام أقوى العواصف الجليدية بل لو تجمعت جميع وحوش العالم لن تستطيع أن تتخطى ذلك الغطاء , بعد ذلك يطلب وكله أمل في موافقة أمه ," ماما ممكن تنامي جنبي شوية؟" وكما فعلت في الصباح تنسى كل الذي وراءها وتؤكد له أنها بالفعل قد تحتاج لبعض الراحة. يبتسم داخل أكثر أماكن العالم أمانا , في أعمق وأعلى نقطة على السطح الأرض والقمر معا , ويتسمع إلى أصوات يعلم أنها قادرة على تنظلم حركة القمر حول الأرض كما تنظم قلبه وعقله الآن , ذلك شعوره وهو بداخل حضن أمه وهو يستمع إلى ضربات قلبها تنظم أنفاسه والتي تتقاطع مع أنفاسها أحيانا فيشعر بسعادة بالغة. يتخيل كيف أنه كان يوما بداخلها فيفهم أنه عليه أن يظل بقربها دائما حتى يكون كل شيء على ما يرام. يعلم أن نظراتها فقط كافية لتعرف أنه يشعر بتعب قليل في معدته بل وقادرة على تحديد أسباب أدق من تلك التي تحددها التحاليل الطبية. هو يعرف أن نظرة واحدة من عينيها في عنينه تكشف كل الأمور كما أنها تعطيه معنى جديد للحياة. عندما يشعر أن استيقظت من النوم يتظاهر بأنه الآن في وسط أحلامه لكي يتركها تراقبه بهدوء, فحتى هو لا يملك الحق في منع تلك النظرة من أمه لأبنها. يتركها تمرر يديها في شعره بالرغم من ذلك يزعجه أحيانا إلا أنه يعرف أنها هي تحب ذلك فيستمتع بيد أمه تمر بين خصلات شعره. وقبل أن تغادر السرير ينظر لها ويقول : " ماما تعالي تاني".

يرن الهاتف بجانبه فيتذكر أنه نسي أن يغلقه قبل أن ينام. ينظر حول ليفهم أن ذهبت غرفته وغطاء أمه , ومن أين أتت تلك الجدران الغريبة؟ يرد على الهاتف فيسمع صوت أمه وهي تسأله لو أنها أيقظته , فيسكت لبعض دقائق فكل ذلك كان حلم صغير فيرد , فيبحث عن الكلمة التي يقولها أن يعود إلى ذلك الحلم , فتهرب كل الحروف منه وكالعادة يعود صوت أمه في الهاتف يرتب جميع أجزاءه فقط جملة من ثلاث كلمات
"مالك يا حبيبي"  

Monday, November 17, 2014

لم يحرك جيشه ولكنه أنهزم (1)

(1) 
قائد المعركة يجلس وسط أرضه المحروقة, أرضه التي لم يمتلكها من الأساس ولكنها احترفت على أي حال. لقد مات الأطفال, قبل أن يولدوا , مات الأطفال حتى قبل أن تتزوج أمهاتهم. خسر المعركة قبل أن يكون جيشه, قبل أن يبني السفن , قبل أن يجهز الخيل , قبل أن يسن السيوف , قبل أن يطرق حديدها , لم يمتلك الرجال حتى ولكنه أنهزم. تعلم فنون القتال جيدا وتعلم كيف أن يصبح قائد لجنوده في المعركة ولكنه نسي شيء هام , نسي أن يعد الجنود وأن يجهز عتادهم. أكانت هزيمته مفاجأة؟ ولكن كيف لقائد جيش أن يتفاجأ بمعركة وهو يعيش من أجل المعارك؟ كيف لقائد جيش أن ينسى أن يجمع جنوده؟ أسئلة كثيرة تبحث عن إجابة والكل الإجابات التي تأتيه تزيد من آلامه. لم يعد يهتم الآن بم نسيه أو كيف جاءته الهزيمة بغتة. لم يعد يهتم كيف أن أرضه احترفت قبل حتى أن يمتلكها. كل ما يهم الأن هو ما هو موجود الأن , هزيمة ولا شيء آخر. لم يظن يوما بأن المعركة ستكون سهلة ولا أن العدو سيكون ضعيف؟ ولكن مهلا ... لقد نسي شيء آخر , نسي أن يدري من هو عدوه ومن أين يأتي وماذا يريد... مزيد من الأسئلة ومزيد من الإجابات والآلام ومازالت الحقيقة الوحيدة القائمة هي الهزيمة واللاشيء. يتحرك في الأرض المحروقة ولكنها فجأة تتركه , حتى الأرض تخلت عنه, ينظر إلى السماء باحثا عن نجم أو قمر أو شمس حتى يبحث عن شيء نجا من المعركة أو بالأحرى الهزيمة. لا يجد شيء , لقد سقط كل شيء مع سقوطه , حتى سيفه الذي قضا سنين عمره يسنه ويشحذه أنكسر مع بداية المعركة. خيله تركه وهرب عندما جاء العدو, ولكن تأتيه ذاكرة قبيحة الأن ... لقد فك وثاق الخيل وتركه يرحل , لقد ترك السيف يصدأ ثم كسره بيده على ركبته, لقد أشعل النار في أرض من تحته ,ولعن السماء من فوقه وجرى وجرى وجرى حتى سقط .. 

Sunday, November 16, 2014

بين النور والظلام

يبدأ يومه باستيقاظه من نومه. الشباك يبدوا مفتوح قليلا وبالتالي الغرفة نصف مضاءة او ليست مضاءة هو ليس متأكدا. كان وحيدا لبعض الوقت ثم دخل ناس غرباء غرفته وعما قليل لن يصبحوا كذلك او بالأحرى بعضهم. هو يراهم لذلك بالتأكيد هناك نور في الغرفة. فقوانين الفيزياء تنص على أن من الشروط الرؤية أن يكون هناك نور يسقط على الجسم ثم ينعكس على العين مما يعني أن الصورة التي يراها تثبت وجوبا وجود نور وأجسام وعين. ولكن الصور تختفي ويعودوا غرباء من جديد فلا يدري أيختفي النور أم الغرباء أم عينه! يتردد ويحتار ويصبح وحيدا...
ينسى النور والظلام ويرتب غرفته , هنا الأوراق القديمة الثقيلة على هذا الرف العالي العميق الذي لن يصل إليه أحد أبدا. هنا أوراق حديثة وخفيفة ومنسقة بدقة لتعجب الرائي. هنا كرسي واحد أما الكراسي الأخرى ففي ركن آخر. هنا مجموعة كتب كبيرة تروي حكايات عديدة. هناك ثوب أمه القديم يحيط بغرفته بالكامل حتى يغطي حائطها بالكامل وسقفها , هناك بقايا الحلوى التي أقتسمها مع أخوته وهذا قلم أبيه موضوع على مكتبه يخط به أوراقه وهناك ملامح بعض الغرباء الذين لم يعودوا غرباء , لم يعودوا غرباء حتى الآن...

يمر بعض الوقت من يومه بعض أن أستراح من مشكلة النور والظلام بترتيبه غرفته ليتفاجأ بأن مشكلته عادت من جديد , عادت أشد من البداية , فكل شيء يبدوا كما هو ولكنه لا يرى أي شيء , هذا ثوب أمه معلقا , هو يعرف ذلك , هو يراه ولا يراه, أوراقه منظمة بدقة كما أرادها ولكن بعض الأوراق القديمة قد هبطت من رفها العالي وتبعثرت ولم يعد يراها حتى. أهذا الظلام إذا؟ أهذا غياب النور؟ يصرخ في الغرباء من حوله ,يصرخ في الغرباء الذين لم يعودوا غرباء , أهذا النور أم الظلام؟ لكن لا أحد يجيبه , أهذا النور أم ظلام؟ يسأل مرة ثانية , يسمع إجابة : لم نفهم سؤالك , كرره , يكرر سؤاله ولكن هذه المرة سؤاله لا يخرج من صدره , يكرر ويكرر وعندما خرج يتفاجأ بأنه أصبح وحيدا والجميع على باب غرفته يشاهد , يخاف ويجلس , يخاف أن ينتهي يومه كما بدأ , ينتهي بسؤال دون إجابه , أهو نور أم ظلام؟؟؟ 

Sunday, October 26, 2014

الحنين للمجهول

أصعب أنواع الحنين هو أن تحن لشيء لم تراه ولم يحدث من الأساس. مثلما يحن المسافر لوطن لم يراه طوال حياته. هو قضى حياته بين الطرق, بين المدن الكثيرة , عاش غريبا هنا وهناك. عاش باحثا عن وطن ,عن أبناء وطنه , عن مكان يختضنه بعد سفره الطويل طوال تلك السنين. يبحث عن معنى لسنوات العمر الضائعة في السفر. هو لا يبحث عن المجهول بل يبحث عن شعور يعرفه تمام المعرفة, يعرفه كما يعرف يديه وكما يعرف حقيقة وجود السماء من وقفه ولكنه فقط لم يعش في ذلك الوطن.
تمر السنين وتتبدل الأحوال, قد حلمت حلم صغير هنا وآخر كبير هناك. حلمت بعالم يسوده العدل ,تعلمت أن من جد وجد ومن زرع حصد ,تعلمت أن الحضارية بشرية هي معنى كبير للحب والتسامح والعدل والإنسانية وتقبل البشر جميعا لأننا في النهاية بشر, تعلمت أنه ليس هناك أبشع من أن ترى الدماء تسيل على الأرض والأرواح تتطير في السماء, تعلمت أن السعادة تبدأ في قلوب الأخرين قبل أن تلمس قلبك, تعلمت أن الحب يقضي على الحواجز ويتخطى جميع الخلافات , يتخطى الحدود والمفاهيم المختلفة , بل يتخطى حتى المنطق. تمر السنين وأنت تتخيل ذلك العالم ,تتخيل أن هذه هي حقيقة البشر وحقيقة علاقة الحب بين البشر, ولكن المفاجئة هي أن كل ذلك العالم يسقط في منطقة الحنين, هل رأيت يوما العالم بهذه الصورة؟ هل رأيت العالم يسوده العدل أو الحب؟ هل رأيت العالم بدون قتل ودماء؟ لا ! من الممكن أن تجد وتجد وتزرع وتزرع ولكن غيرك يجد ويحصد , حب من تشاء كما تشاء ولكن هذا لن يشفع لك. في النهاية تجد ذلك العالم بهذه الصورة يسقط في منطقة الحنين , الحنين لعالم لم ولن نراه , حنين إلى بشر لم ولن نراهم لأننا ببساطة أنفسنا لسنا تلك النوعية من البشر.

يفقد المسافر الأمل فلو أنه نفسه من نوعية البشر الذي يبحث عنهم , ما الفائدة من كل هذا السفر ؟ يتخبط كثيرا عندما يجد كل وطن لا يشبه وطنه وكل أرض لا يشبه أرضه. يجد كل شيء عرفه مشوه ومختلف. حتى تأتي تلك الليلة المظلمة او بالأحرى المقمرة التي يكتشف فيها أنه نعم , من الممكن أنه يحن إلى المجهول ولن يجده أبدا ولكن هناك عالم آخر لم يعرف أنه أي شيء, عالم صغير في حجمه ولكنه كبير جدا ليشمل الحياة كلها. حلم أن البشر سيكونون بشر ؟ لكنه وجد الحيوانات تتعامل أكثر "بشرية" من البشر , في هذه الليلة أكتشف القمر , اكتشف ان الحياة لها وجوه أخرى , أينما كانت الأرض التي يجتمع بها مع القمر هي أرضه ووطنه , ربما هو يحن إلى شيء لم يره من قبل لأن ذلك الشيء يعيش بداخله , يعيش في عينيه التي يرى بها , يعيش في القمر في السماء , يعيش في تراب الأرض , في ذرات الهواء في السماء, ربما عليه أن يتوقف عن السفر الأن ويعلن قوانينه الخاصة وعالمه الخاصة ومن يرفض هو الذي يرحل , هو لديه قمره الخاص الصغير بجانبه طوال الوقت, مازال يحن إلى شيء لم يراه ولكنه يكتشف عالمه بدون الأرض الأن. 

Wednesday, October 15, 2014

في عالم آخر

في عالم آخركانت الأماني لتبني جبال. كانت الأطفال تولد كما نعرفها بيضاء ونقية وتعيش كما هي بنفس بياضها دون أن يتحول البياض إلى سواد أو حتى لون رمادي كريه ينسيك اللون الأبيض ولا يظهر بسواده الحقيقي.  في عالم آخر كانت البشر لتولد بشر , تعيش كبشر وتموت كبشر دون أن تتحول في أي وقت من الأوقات إلى الأرقام أو تتحول إلى غريزة متحركة لا يجوز أن يطلق عليهم حيوانات. في عالم آخر كانت الطريق يبدأ من نقطة وينتهي عند أخرى.
في عالم آخر السماء أكثر زرقة والبحر أكثر صفاء والهواء أكثر نقاء, تستطيع أن تسمع صوت الأشجار وهي تتحدث في الصباح عن هموم ليلهم ويسألوا السماء عن رحلتها منذ المغرب إلى الشروق, تستطيع أن تسمع الأمواج تنقل أخبار الجزر المتباعدة إلى الشاطئ البعيد , تجمع من رحل بمن ينتظر.  
في عالم آخر القتل غير مباح , تعيش الأم مع أبنها ويكبر على يديها حتى يأتي أجله.
في عالم آخر هناك عالم ,, هناك حياة