Monday, February 23, 2015

اتفاق


كانت حرارة الجو تؤكد لها أن الشمس فوقها تماما ولكن لسببا ما تجهله كانت تشعر ببرودة القطبين قد تجمعت بداخلها. كانت تحاول أن تحسب كان ليلة مرت على تلك الساعة الكئيبة ، استطاعت أن تحصي 300 ليلة كاملة، 300 ليلة تتذكر الغروب الكامل بهم. كان يمكنها أن تتذكر هروبها في الطرقات، اختبائها من العيون والنوافذ، حتى المرايا لا تطيل النظر بهم. أخرجت هاتفها المحمول وبدأت في الضغط على الأرقام المطلوبة...
هي: أهلا
صوت آخر: اهلا اهلا، هل من الممكن أن أعرف السبب العظيم وراء تشريفي بهذا الاتصال؟
هي: ما هذا! هل أصبح من الغريب أن أكلمك الآن؟
الصوت: نعم، هكذا أتفقنا، أو بالأحرى هكذا افترقنا، انا أظل كما أنا وأنت تصيري كما تريدين
هي: ولكننا لم نتفق أبدا على هذا الكلام! أنا لم أقل أو أتفق على هذا أبدا!
الصوت: دعينا من أن نقوم بحوارات طويلة ليست لها فائدة، أنت تشعرين تماما كيف أن كل شيء تغير، وتدرين تماما أنك أنت من أختار هذا وليس أنا، لقد كنت هناك من أول لحظة وكبرنا معا، وأخطائنا معا، وحلمنا وابتعدنا واقتربنا، حتى قررت أن التغيير هو سنة الحياة، فكان علي أن أتغير وهكذا جاء الاتفاق بأني أبقى كما أنا وأنت تصيري كما تريدين
هي: ولكنك تعرف أننا لن نفترق
الصوت: هذا الاتفاق يسبق أي أتفاق، نعم ..
هي: ماذا يحدث إذا
الصوت: لا أدري
هي: نعم .. لا أدري
تمر من أمامها سيارة مسرعة فتنظر إلى شاشة هاتفها المحمول من جديد لتتذكر أنها لم تتم الضغط على الرقم المطلوب. قل الشعور بالبرودة قليل ولو أنه خرج من قلبها وأنتشر في أنحاء جسدها. وقبل أن تضع الهاتف في جيبها من جديد لاحظت تاريخ اليوم، لم تمر ساعة واحدة ...
عادة إلى بيتها ومرت من تحت النافذة دون تردد ودخلت غرفتها ونظرت في المرآة المعلقة على الحائط طويلا وقلت بهدوء،
أظن بأننا بحاجة إلى أتفاق جديد..


Friday, February 20, 2015

الكتابة والشعر والحالة الإنسانية وال Digital signal processing


عند نقل موجة الصوت مثلا او الصورة من حالتها في الطبيعة إلى أي جهاز إليكتروني تفقد تلك الموجة جزء من شدتها أو شكلها الطبيعي. مثال واضح لذلك عندما نلتقط صور باستخدام أي كاميرا تفقد الصورة جزء من طبيعتها وتصبح أحيانا غير واضحة أو في أحسن الحالات ستكون الألوان بالطبع أضعف من الطبيعة فليس هناك ما يمكنه التقاط الطبيعة حتى أقوى الأجهزة. هذا الفقد يعود إلى أن الموجات في الطبيعة تختلف عن الموجات الموجودة في الأجهزة والتي تحتاج إلى طبيعة معينة وذلك لأن أي جهاز إليكتروني هو عبارة عن دوائر كهربائية لا تفهم الأولوان والأصوات ولكن تفهم الشحنات الكهربائية.
نترك الموجات ونذهب إلى الكتابة والحروف. أي شخص يقوم بكتابة أي عمل أدبي سواء سطور نثر قليلة أو كتاب كامل أو شيء يقوم بعملية تشبه نفس عملية نقل أو تحويل الموجات. هناك مشاعر معينة تسكن القلب ممزوجة بأفكار في العقل تدور وتدور تتأثر بذكريات الكاتب والمشاهد التي يراها بعينه والأشخاص الذين يحيطون به والبيئة التي يعيش فيها , كل ذلك يؤثر بطريقة أو بأخرى على أي كاتب يقوم بكتابة أي عمل. بالطبع تختلف تأثير هذه العوامل باختلاف العمل واختلاف الكاتب ولكن في نهاية كل كاتب يقوم بنقل "حالة إنسانية معينة" عن طريق موجات خاصة هي كتاباته. ولكن كحال الموجات هناك جزء يفقد في هذه العملية. فالحالة التي لدى متلقي هذه الموجات المكتوبة بالحروف تؤثر على تفسيره لما يقرأه وقد تكون الكتابات نفسها لم تنقل الحالة التي لدى الكاتب بشكل كامل.
تطور الأجهزة والتقنيات المستخدمة في أرسال واستقبال وتخزين الموجات هو ما يجعلها تتحسن مع الوقت والمفقود منها يقل. بالنسبة لي أفضل ما ينقل الحالة الإنسانية عن طريق الحروف هو الشعر. الشعر لديه قدرة هائلة على دمج العاطفة مع الأفكار مع البيئة مع الناس مع كل شيء. على حسب قدرة الشاعر يستطيع أن يخفي ذلك بين أبيات شعره فالعاطفة تصل إلى القلب فقط ولا يفهمها العقل والأفكار تصل إلى العقل وفي النهاية تصل إلى القارئ أو المستمع الحالة كاملة. بالطبع هناك جزء من الموجات سيكون مفقود فكما قلت دائما هنا فقد ولكنه يكون أقل في حالة الشعر. الشعر قد يبدوا بسيطا سطور قصيرة قليلة مرصوصة بموسيقى خفيفة ولكن الحقيقة أن كل حرف يحمل حالة كاملة لشاعره.
أظن بأن علي الآن أن ترك الموجات والأجهزة الإليكترونية وذلك لأن الحالة الإنسانية والشعر أيضا يتخطون ذلك بكثير. جمال الشعر في أنه لا يحمل فقط حالة الشاعر ولكنه يحمل ما يشبه شفرة أو مفتاح للعواطف والأفكار التي كانت يحاول الإنسان أن يخفيها عن نفسه. فتجد أن حالة الشاعر تجعلنا نفجر ما هو مختفي ونظهره علنا. فالأبيات تتسلل إلى القلب والعقل وتبقى هناك وتفتش في الماضي والحاضر ، تدخل إلى الجروح القديمة وتلك التي لم تلتئم بعد، تشاهد الابتسامات والدموع وتشارك في كل ذلك.  كما أن الشعر بعكس الموجات الأخرى لا يعرف معنى للزمن ولا المكان. فالشعر بعكس الكثير لا يتغير ولا يغادر ويرحل.

دائما ما أشعر بالسعادة وأحمد الله على أنه هناك شعراء مبدعون في هذا العالم ودوما ما تمنيت لو أستطيع أن أكتب شعر فأرسل بعض من هذه الموجات التي تحمل الكثير ... 

Thursday, January 15, 2015

مرض البطل


جلس في حديقة منزله كما تعود ووضع أوراقه أمامه على المنضدة وبدأ يكمل أحداث روايته. كان وصل لمنتصفها وكان بطل الرواية والشخصية الأساسية ,"مختار" وهو شاب مازال في البداية الثلاثين من عمره وهو جندي بالجيش سابق ولديه شركة تأمين خاصة ويقوم بالكثير من المغامرات المثيرة والمهام الخاصة مع الاحتفاظ بالجانب الإنساني في مساعدة من يحتاج إليه وخصوصا الضعفاء. وصلت أحداث الرواية إلى جزء ساخن جدا, تطورت في أحداث الرواية بشكل كبير وكان يظهر دور "مختار" البطولي...
فجأة ... يجد الكاتب "مختار" يضعف ويصبح وجه شاحب ويسعل بصوت عال وتتسارع الأحداث ويجد الكاتب بطله قد أصبح على فراش المرض وفقد كل بطولته. يتدارك الكاتب الموقف بسرعة قبل أن تحدث أي تطورات خطيرة فيضع خطوط سوداء قاتمة يخفي بها السطور التي بدأ فيها مرض بطل الرواية ويعيد كتابة هذا الجزء من جديد. ولكن شحوب "مختار" ومرضه يعود من جديد دون أي اختلاف. احتار كثيرا فيما يحدث أمامه على الورق. شطب على سطور المرض من جديد لعلها تختفي ولكن قبل أن يعاود الكتابة من جديد قام من مكانه وتحرك قليلا في الحديقة يتأمل في الشجر والورد من حوله. عاد من جديد للكتابة ولكن لا دواء لدائه أو بالأحرى داء "مختار". قرر أن يبدأ في كتابة الرواية من بدايتها ولكن بمجرد أن كتب الإهداء  باغته مرض مختار مع أول سطور الرواية، يضعف، يشحب وجه ويسعل ويمرض. من فرط ضيقه رمى فنجان القهوة الخاص به بعيدا.
قام بعد ذلك لإعداد فنجان جديد من القهوة ولكن في طريقه راعه منظر مخيف! وقف أمام المرآة في رعب
فآثار الضعف ظاهرة
والوجه شاحب
ويسعل بصوت عالي

يبدو أنه المرض...  

Wednesday, January 7, 2015

قصة طفلة



بدأ كل شيء عندما كانت تبحث عن الحياة وليس كما يعتقد الجميع بأنها تفر من الموت. برغم من صغر سنها إلا أنها أدركت حقيقة الموت وأنه لا مفر منه ولكن هناك دائما طريق للحياة. كانت تركض بخطوات أسرع من أن يدركها العالم ,تحمل أخيها على كتفها بثبات أم تحمل أبنها المصاب في المحرب نحو المشفى وبنفس قلق الأم أيضا وخوفها. كانت تقفز كما يقفز الأطفال في سنها ولكن قفزها كان فوق الحواجز، أو فوق الصخور باحثة عن حياة نتفجر من وسطها. سارت لأيام وأيام حتى وجدت ما تمنت أن يصبح بيت لها ولأخيها الصغير. وضعت أخيها وهمومها التي أصبحت أكبر بكثير من جسمها الصغير على جانب من تلك الخيمة التي لا تتعدى المترات القليلة وتتشاركها مع أشخاص شاركوها قصتها أيضا وإن اختلفت الأحداث. مرت الأيام بطيئة وكانت دائما ما تحتفظ بجزء كبير من طعمها –إن تمكنت بالحصول على طعام_ لأخيها الصغير فلا أحد يدري ما سيحدث غدا. حتى جاء الشتاء ببرودته التي ذكرتها بوحدتها وأفتقدها ليد أمها أو أبيها تمسح على وجهها فينتشر الدفيء بداخلها. لم تجد حضن أمها ليلا تنام بداخله لتختبأ من الأمطار والبرد وكل شرور العالم. فقط يديها الصغيرتين وأمامها كل العالم والآن جاء البرد. شعرت بقلق على أخيها فلم تجد حل إلا أن تخبأه بداخلها وكأنها تتمسك بالحياة من خلال أنفاسه. كان كل يوم يبدوا أكثر برودة من اليوم الذي يسبقه بالرغم من صغر سنها إلا أنها كانت تدرك أن تلك هي الطبيعة ولكن ما لم تفهمه هي وحدتها الباردة وبرودة البشر في هذا العالم. كانت ليلة كئيبة عندما أشدت الريح وقلعت سقف هذه الخيمة ولكن لم يكن هناك ريح قوية كفاية لتقتلع تمسك طفلة أصبحت أم بالحياة. كانت تشعر ببرد شديد ولكن صراخ أخيها يجعلها تنسى كل برد ولكن فجأة خانتها أعضائها، فجسدها مازال جسد طفلة فتغلب على عاطفة الأم والحياة بداخلها. بدأ جسمها يسكن بعد أن كانت ترتعش وبدأ جفنيها يثقلان وكانت نظراتها مثبتة على أخيها وكأنها تحاول أن ترسل له روحها حتى يكمل هو الطريق. كان بداخلها ذلك الأمل الذي لم يفارقها منذ أن تركت بيتها بعد القصف، ذلك الأمل الذي لم يضعف أو يتبدل رغم الأخبار التي كانت تتوالى عن القتلى كل يوم، الأمل أن ترى أبيها وامها وكأنهما ما زلا على قيد الحياة فتحملها أمها من وسط هذا الثلج وتحتضنها في رفق فيذوب كل البرد ويختفي استحياء من ذلك الحب ... نامت الطفلة في الهدوء في رحلة أكثر سلاما، عائدة إلى أبيها وأمها تاركة ذلك العالم والبارد وفي رقبته دين ثقيل...   

Friday, January 2, 2015

تعلمنا وكبرنا ...

الوقت، الوقت هو الحقيقة الثابتة التي لا يسعنا تغييرها. عقارب الساعة تتحرك ,حتى لو أمسكنا بها في أنها ستتحرك في الخفاء. حقيقة لا يمكن التلاعب بها. فالثانية تبقى ثانية مهما مر زمن، الثانية تمر على الملك على عرشه كما تمر على الفقير النائم على الأرض الصلبة ليس هناك فرق. الزمن لا يعود، لا يتأخر، لا يا يتسرع. لعل المفر الوحيد من الوقت هو أن نواجه، فالحقيقة لا مفر منها إلا بإقرارها. لا يسعنّا إلا أن نكف عن الهروب والاختباء وفقط نواجه الوقت بعقاربه التي لا تتوقف...
تعلمنا ونحن صغار أن العصافير هي كانت سعيدة، يربيها الانسان في منزله وعندما يستيقظ يجدها تغني وتزقزق معلنة قدوم الصباح ولكننا كبرنا لنكتشف أن الواقع مغاير تماما لهذه الحالة , فالحقيقة هي أن العصافير تصرخ , هي لا تزقزق وتغني للإنسان أو بالأحرى السجَّان الخاص بها بل هي تصرخ وتستنجد بالسماء البعيدة، بالسحاب، بالشمس والعصافير الحرة البعيدة التي ترد عليها صراخها بزقزقة أخرى مختلفة تحكي للعصافير كيف هي الحياة في الحرية في السماء. العصافير لا تقترب من البشر لأنها تريد أن تلعب بل تقترب لكي تنقعه أن منطقه هو منطق عبودية. عندما يأتي الليل لا تنام العصافير في القفص هادئة – فمن ينام في الأسر! – بل هي تحدث السماء المظلمة والقمر الحاني عليها.
كان القمر ونحن صغار يطاردنا في الشوارع، كصديق لا نمل مصداقته. كان يظهر في ليالي الشتاء القارصة البرودة متحديا البرد, وليالي الصيف الهادئة يظهر أيضا ولا يبحث عن الراحة. يطاردنا أينما ذهبنا شمالا أو جنوبا، شرقا أو غربا، صديق دائما معنا في الليالي المظلمة. يغير شكله على مدار الشهر وكأنه يظهر جماله في أشكال مختلفة ولكننا نكبر ... وندرك أن القمر ما هو إلا صخرة كبيرة، تراب وفوهات كما أنه ليس مضيئا على الإطلاق بل هو معتم...
ذلك التراب هو في الأغلب نفس التراب الذي تعلمنا ونحن صغار أن نتمسك به وأنه أغلى من حياتنا! التراب الذي تخرج من أجله الجيوش دافعا عنه, تراب الوطن ... كنا نتعلم في المدرسة عن الحروب التي ندافع بها عن الوطن وخيراته وسمائه وأرضه. الحروب التي خرج فيها أجددنا وأجدادهم من أجل أن نعيش حياة هانئة سعيدة. كانت الحروب تعني الشجاعة والقوة والأهداف السامية. مع الوقت أتضح أنهم أخفوا الحقيقة في صور مزيفة، كبرنا لنعلم بان الجندي الذي يقف ليرفع علم بلده لا يقف فوق صخرة عالية بل يقف فوق أشلاء جنود آخرين تركوا عائلتهم ورائهم وخرجوا من أجل التراب. لم يصوروا لنا الخوف والرعب الذي يأتي جنبا مع جنب مع كل لحظة في الحروب. لم يجرؤ أحد على ذكر العائلات المشردة، الأمهات اللاتي مازلن يبحثن عن أبنائهن أو حتى بقاياهم. كانت الصور تبدوا خضراء دائما صورة الزي العسكري مع أن حقيقة اللون المناسب للحروب هو اللون الأحمر القاتم لون الدماء الجافة. علمونا أن الحروب تبني ولكن الحقيقة أن الحروب تدمر وتحرق وترشد ولا تدع سبيل للبناء. علمونا "الوطن"، "تراب الوطن"، "سماء الوطن"، "خيرات الوطن"، ولكننا كبرنا لنجد الوطن هو تراب و تراب وتراب وقبور. والحقيقة هي أنه يوجد تراب وسماء وخيرات ويوجد ممالك وملوك. يموت الملايين ولكن يعيش الوطن (الملك)، يمرض الملايين ولكن يبقى الوطن معافى (الملك)، عليك أن ترضى بالشقاء والتعاسة لأنه الوطن باقي حتى نهاية حكمه. علمونا أننا نعيش في الوطن, مع أن الحقيقة هي أننا نعيش على الأرض وأن كل انسان لا يختلف بأي شكل من الأشكال مهما كان "وطنه" ولكن كان لابد من أننا "شعوبا وقبائل" ليس "لتعارفوا" ولكن لتقام الممالك ويعيش الملك أو الوطن مهما كانت التسمية...
تعلمنا الحكم صغارا , تعالمنا أن نختار الجار قبل الدار، وكبرنا و اختارتنا دور كثيرة واختارنا كثيرا من الجيران ولكن كل جار يتحول إلى شبحٍ ويمضي بعيدا. شبح يطارد بماضي قد ذهب ويجعل المستقبل يضطرب. تعلمنا أن ذلك الجار هو من يبقى ويسهر معك ولكن الحقيقة هي أن الأشباح فقط تشاهد دون أن نراها. تعود بعض الأشباح للحياة ولكنها تختفي في الظلام مجددا وتعود وحيدا في الدار التي لم تختارها بعد أن أختفى الجار كالشبح والذي اخترته. يكون ليل طويل وصعب تدرك فيه كيف أن الجار حقا هو كل شيء والدار لا يعني شيء ولكن للأسف الأشباح لا تسمع ولا الألم لا يظهر لهم , فقط صور عابرة لك ولهم تلوح وتختفي.
تعلمنا أنه يوجد دائما ضور في نهاية النفق , أحلامنا وكل شيء نسعى إليه ومن نحب ولكننا كبرنا لنجد أن النفق قد أنهار منذ سنوات طويلة وأن النفق ما هو إلا ظلام والضوء في النهاية هو أطياف من الماضي. والليل يطول ويطول دون أن يظهر نهار أو يقترب الضوء ونسمع الضحكات البعيدة ولا نرى سوى الدموع. تتغير صورنا في المرآة ومع كل تغير يظهر جرح عميق في قلوبنا.

أظن بأن الأمل ليس في الضوء في النهاية النفق، ولا في أحلامنا، فالسطور السابقة يبدوا الواقع مظلم شديد الظلام وذلك لأن السطور مكتوبة بقلم شخص أدرك حقيقة الوقت ووقع في فخه وبدأ يكبر ويترك الوقت يمر ويمر ويكبر ... ولا يوجد أمل في مصارعة الوقت فالمنتصر سيكون الوقت دائما، الحل والخروج من هذا المأزق هو أن يعود الطفل للحياة من جديد لكن هذه المرة يعود طفل وهو يدري , طفل لديه خبرة , طفل يرى القمر يطارده ويشاهد جماله ويتمنى أن يتمتع الجميع بنفس هذا المنظر، طفل لا يدري شيء عن الوطن ولا الحروب، هو فقط يرى السماء من فوقه والأرض من تحته والبشر من حوله ويخاف كل الخوف من لون الدم ومن الشعور بالضياع. طفل لا يحمل كره أو بغض لأحد يتمنى أن يكون الجميع سعداء بلا فارق، طفل ينام ليلا وهو لا يفكر ولا يحلم إلا في أنه في صباح ما سوف يستيقظ ليجد نفسه يستطيع أن يطير في السماء بين العصافير خارج أي قفص أو حدود. طفل يحلم ويحلم دون أن يخاف من الصباح التالي ودون أن يفكر في أن نظام العالم قد أختل. طفل يرى العدل عدل والظلم وظلم. وبالتأكيد طفل لا ينظر كل ثانية نحو عقارب ساعته التي تطارده فالنسبة له أو لها ، الحياة تقاس بحبه للناس وحبهم له وسعادتهم وساعدته في عالم أبيض كبير ... 

Sunday, November 30, 2014

رضوى عاشور



لم أرى رضوى عاشور يوما وجها لوجه _وهو من الأشياء التي أشعر بالندم من أجلها_ ولكني أشعر بأني على تمام المعرفة بها وأني فقدت شخص عزيز ومقرب مني. فمن يقرأ كلماتها الساحرة لن يشعر بأي شيء آخر. كل عمل من أعملها يجعلك تتعلق بأشخاص لم تراهم وأرض لم تعش عليها. سردها التاريخي الروائي الشيق لم ولن يتكرر. لم أعرف معنى للوطن غير في كتابات رضوى , لم اتعلق بكتاب واتلهف على ابطال الرواية مثلما تعلقي بابطال روايتها , وروحها الرقيقة كانت واضحة في كل حرف كتبته ورؤيتها المختلفة للعالم .
رحم الله رضوى 

https://www.goodreads.com/search?utf8=%E2%9C%93&query=%D8%B1%D8%B6%D9%88%D9%89+%D8%B9%D8%A7%D8%B4%D9%88%D8%B1

اتصال بعيد


ينزع الغطاء عن جسمه مفزوعا وهو يصيح : "ماما ,, ماما ,, انا شفت حلم وحش !". لم يسمع ردا ,فقرر ان عليه أن يبحث عن أمه بنفسه في كل غرف المنزل قبل أن يتذكر أن موعد عودتها من العمل لم يحن بعد فيصاب بإحباط شديد لا يخفف عنه إلا شعوره بقليل من الدفء الباقي من الليلة السابقة عندما غطته بيديها ووضعته في سريره. يتجه إلى المطبخ ويحضر الطبق الذي وضعت له فيه فطاره مرتب وجاهز للأكل. أمسك ريموت التلفزيون يبحث عن برنامج يلهيه عن انتظاره الطويل جدا لأمه. يشاهد بعض الرسوم المتحركة وتبدأ الساعة تتحرك ببطء. مع اقتراب الساعة من تكون الثانية بالتمام وهو موعد عودة أمه تتحول جميع أعضاءه وحواسه بل وأفكاره إلى أذن تهرف السمع لكل حركة بسيطة كانت أو كبيرة تأتي من ناحية الباب لعلها تكون خطوات أمه. حتى تحين اللحظة ويسمع حركة المفتاح في الباب فيسبق أمه في فتح الباب ويفاجئها بالحضن العميق المعتاد ويقول لها بحزن وهو يتظاهر أنه في قمة حزنه :"شفت حلم وحش يا ماما , وأمت مفزوع ملقتكيش خالص!" تنسى أمه يومها الطويل ,وأنها استيقظت مبكرا لكي تعد الإفطار وتذهب للسوق وبعد ذلك تتجه لعملها وتعود في الظهيرة تحت الشمس التي تجعل أقوى رجال العالم تخور قواهم, ثم تسأله في اهتمام بالغ عما حدث له وبعد ذلك تشجعه أن يتخطى الأمر وتسبقه بقبلة على خده تجعله فمه ينفتح وينسى كل مشاكله وأحلامه "الوحشة". بعد ذلك يجلس مع أمه في المطبخ وهي تعد الطعام ويشاهد معها فيلم أمريكي من أفلام التشويق وكالعادة يتنافسان في تحليل الفيلم واستباق الأحداث. وبعد ذلك تتجمع العائلة من أجل الطعام ويجلس الجميع على الطاولة الصغيرة لتناول الطعام وكل له مكانه مخصص وهو يحاول فقط أن يجد مكانا ملاصقا لأمه وعندما يفشل يكتفي فقط انهما يتشاركان نفس المكان. تمر بعد ذلك ساعات اليوم سريعا قبل أن يجد نفسه يعود للسرير من جديد وكانت هذه واحدة من أسعد لحظات حياته لأنه حينما تضع أمه الغطاء فوقه يعلم جيدا بأنه سيظل يشعر بالدفء أمام أقوى العواصف الجليدية بل لو تجمعت جميع وحوش العالم لن تستطيع أن تتخطى ذلك الغطاء , بعد ذلك يطلب وكله أمل في موافقة أمه ," ماما ممكن تنامي جنبي شوية؟" وكما فعلت في الصباح تنسى كل الذي وراءها وتؤكد له أنها بالفعل قد تحتاج لبعض الراحة. يبتسم داخل أكثر أماكن العالم أمانا , في أعمق وأعلى نقطة على السطح الأرض والقمر معا , ويتسمع إلى أصوات يعلم أنها قادرة على تنظلم حركة القمر حول الأرض كما تنظم قلبه وعقله الآن , ذلك شعوره وهو بداخل حضن أمه وهو يستمع إلى ضربات قلبها تنظم أنفاسه والتي تتقاطع مع أنفاسها أحيانا فيشعر بسعادة بالغة. يتخيل كيف أنه كان يوما بداخلها فيفهم أنه عليه أن يظل بقربها دائما حتى يكون كل شيء على ما يرام. يعلم أن نظراتها فقط كافية لتعرف أنه يشعر بتعب قليل في معدته بل وقادرة على تحديد أسباب أدق من تلك التي تحددها التحاليل الطبية. هو يعرف أن نظرة واحدة من عينيها في عنينه تكشف كل الأمور كما أنها تعطيه معنى جديد للحياة. عندما يشعر أن استيقظت من النوم يتظاهر بأنه الآن في وسط أحلامه لكي يتركها تراقبه بهدوء, فحتى هو لا يملك الحق في منع تلك النظرة من أمه لأبنها. يتركها تمرر يديها في شعره بالرغم من ذلك يزعجه أحيانا إلا أنه يعرف أنها هي تحب ذلك فيستمتع بيد أمه تمر بين خصلات شعره. وقبل أن تغادر السرير ينظر لها ويقول : " ماما تعالي تاني".

يرن الهاتف بجانبه فيتذكر أنه نسي أن يغلقه قبل أن ينام. ينظر حول ليفهم أن ذهبت غرفته وغطاء أمه , ومن أين أتت تلك الجدران الغريبة؟ يرد على الهاتف فيسمع صوت أمه وهي تسأله لو أنها أيقظته , فيسكت لبعض دقائق فكل ذلك كان حلم صغير فيرد , فيبحث عن الكلمة التي يقولها أن يعود إلى ذلك الحلم , فتهرب كل الحروف منه وكالعادة يعود صوت أمه في الهاتف يرتب جميع أجزاءه فقط جملة من ثلاث كلمات
"مالك يا حبيبي"