Tuesday, April 9, 2019

ندبة


استيقظت في موعدها في تمام السابعة وبالرغم من أن أمامها أكثر من ساعتين لتصل لمكان علمها الذي يقع مسافة قريبة من منزلها إلا أنها تعلم أنها ستصل متأخرة على أي حال. قامت من فراشها ببطيء، لم يكن ذلك الجزء الأصعب من بداية اليوم. الجزء الأصعب يكون ما بين المنزل والمكتب ثم طريق العودة من المكتب إلى المنزل مرة أخرى. ببساطة الجزء الصعب يكون حينما تقابل الناس. سمعت صوت رنين  تليفونها المحمول بجانب فراشها، أسرعت لترد:
- ألو ، ماما ، صباح الخير
- صباح النور، عاملة أيه أنهاردة؟ متنسيش تفطري قبل ما تروحي الشغل
- حاضر يا ماما
- ومتنسيش فرح صحابتك انهاردة
- مش عارفة هعرف أروح ولا لأ حاسة أني تعبانة
تقول أمها بنبرة مازحة: - انا هكلمها أقولها أنك بتدلعي ومش عايزة تشوفيها يوم فرحها.
وقفة أمام المرآة أكثر من نصف ساعة كعدتها، تحاول أن تخفي تلك الندبة التي تغطي جانب وجهها وتشعر وكأنها تكبر كل يوم. كم تتمنى لو أنها لم تخرج من منزلها يوم الحادث ولكن حدث ما حدث والآن عليها أن تخفي أثاره. تحرك شعرها يمين ويسار وتحرك خصلات معينة لتستقر وتغطي الندبة تماما. هي تكره أن يكون شعرها بهذا الشكل، هي تريد أن تربطه وتقوم بتجميعه خلف رأسها ولكن ذلك يعني أن تظهر الندبة كاملة وحينها تشعر وكأنها تقف في متحف وجميع يريد أن يشاهد المنظر العجيب.
خرجت إلى الشارع مسرعة تحاول أن تصل إلى مكتبها حتى تتأخر أكثر من اللازم. جلست في مكتبها طوال اليوم تقوم بأعمال الترجمة المطلوبة منها، لم يقطع ذلك سوى اتصال صديقتها.
- ألو..
- بقى انتي بقى مش عايزة تيجي فرحي؟
ضحكة صغيرة ثم: - والله كنت عاملة حسابي آجي ونزلت أشتريت الفستان أمبارح وقعدت سنة لحد ما لقيت واحد حلو. بس انت عارفها بقى من ساعة العملية ...
قاطعتها صديقتها بصوت حاد: - عملية أيه؟ كفاية دلع! انتي مش عايزة تشوفي حد، بس ده فرحي ولو مجتيش متكلمنيش تاني ولا أقولك ومجتيش مش هتجوز.
ردت مرغمة: - حاضر حاضر

غادرت عملها مبكرا حتى تستعد لذلك الكابوس الذي أرغمت عليه، فأي شيء أسوأ من حضور مثلك ذلك الحدث لكي تتذكر أنها لم تعد كما السابق أو الأسوأ أنها لم تعد مثل الجميع. عادت من جديد أمام المرآة بعد أن أردت الفستان وقفت لدقائق تشاهد شكلها بالفستان والتي اختارته بعناية شديدة لأنها تريد أن تبدو جميلة في ليلة من المفترض أن تكون سعيدة. غادرت المنزل وهي تحاول أن تخفي أي آثار للدموع التي فوجئت بها وتلقي نظرة أخيرة على الفستان ولكنها لم تستطيع أن تخفي الندبة تماما.
وصلت لمكان العرس وسلمت على صديقتها وجلست على طاولة جمعت أصدقاء الجامعة. كان عليها أن ترد على سيل من الأسئلة عن الحادث والعملية وما إن كانت ستقوم بعمليات تجميل –وكأنها لم تفكر في ذلك- كان عليها أن تجيب على كل هذه الأسئلة كما لو أنها في تحقيق. انتهزت فرصة قيام الجميع إلى مكان تناول الطعام لكي تخرج خارج القاعة هربا من الأسئلة والنظرات. وجدت نفسها تقف في الشارع بدون أي سبب مقنع فحاولت أن تتظاهر بأنها تقوم بعمل أتصال تليفوني. لاحظت ان هناك شابا يقف على الجهة الأخرى من مدخل القاعة ويبدو أن خرج لكي يدخن السجائر. كان بإمكانها أن تشعر بنظراته نحوها. حاولت أن تتجاهل الأمر ولكنه أقترب منها فشعرت بتوتر كبير فهي لا تتذكر آخر مرة تحدثت فيها إلى شخص غريب وبالأخص شاب في مثل عمرها، وكانت تفكر لو أنه هو الآخر سيسأل عن الحادث!
- يا آنسة
- نعم؟
-ليلى صح؟
- اه، انت مين؟
- انا ماهر، كنت حضرت معاكي ورشة الترجمة من سنتين وكانت صاحبتك العروسة معانا كمان.
- آه افتكرت
لم ترد على كلامه فحاول أن يقطع هو ذلك الصمت:
- الكتاب ده وقع منك وانتي بتطلعي التليفون
وانحنى ليلتقط الكتاب واعطاه ولها، ولكنها لم ترد وتظاهرت أنها تكمل حديثها في التليفون.
وجه حديثه لها من جديد وهو مبتسم: - انا مش عارف مين بيروح فرح بكتب .. وقبل أن ترد عليه وكان على ثقه بأنه سيسمع كلام لن يعجبه،  أكمل حديثه – بس هي رواية جميلة بصراحة ، لو كان فرحي انا كان ممكن اخدها عادي .
لم تستطيع أن تقاوم الابتسام وتعجبت من أن نظرته بدت وكأنها تراقب ابتسامتها وليس التأمل في والندبة.
- التليفون رن على فكرة وانتي "بتتكملي" فيه، واضح انك كارها الفرح أصلا وجاية غصب عنك
- اه ، مش بحب الأفراح أصلا
- في مكان قريب من هنا بيعمل قهوة حلوة أوي، تحبي نروح؟
- بصراحة احساسي اني عايزة امشي بأي طريقة ، ماشي
كانت المرة الأولى منذ وقت طويل أن تمشي في الشارع بهدوء وبدون أن تشعر أنها تريد أن تهرب من نظرات الناس. فحديثها معه لم ينقطع طول الطريق وحتى وصلا للمقهى وأستمر الحديث أثناء شرب القهوة. لم تتحدث عن العملية والحادث وكأنها نسيتهم بكل كان حديثها أن كل شيء تحبه وتكرهه وعن أراءها الفلسفية وحبها الشديد للكتب وكان هو يجاريها الحديث وكأنها تعرفه منذ وقت طويل ولم يتقبلا منذ لحظات فقط. لم يشعرا بالوقت يمر إلا عندما اتصل به أخوه يسأله عن مكانه لأنهم على الوشك التحرك من مكان العرس. سألته بتعجب:
- هو أنت اخو العريس؟!
- آه
- امال ازاي  مشيت من الفرح كده؟
- يعني هو خلاني اقعد في الدوشة دي بالعافية وهيضيع عليا أني أقابلك كمان!
عادت إلى المنزل وبقيت واقفة لا تتحرك لثواني أمام المرآة ، فخلال وقت ما من الليلة قامت بربط شعرها وتجميعه خلف رأسها، ولأول مرة تشعر وكأن الندبة صارت أصغر ولا يبدو شكلها مزعجا جدا ..


Monday, March 5, 2018

تغيير مفاجئ

تفاجئ الكاتب في منتصف روايته أن الأحداث والأبطال قد تغيروا فجأة! كيف حدث ذلك ؟ لا يدري .. لعلها المرة الأولى في تاريخ الأدب أن تُكتب رواية وتتغير الأحداث والأبطال دون تتدخل الكاتب. فالبطل أو الحبيب سافر إلى بلاد أوروبا بحثاً عن العمل وصارت طباعه حادة على عكس الصورة الهادئة التي رسمها له الكاتب في بداية الرواية، لعله الجو شديد البرودة أثر على طباعه. أما عن البطلة أو الحبيبة فقد تنازلت عن أحلامها في السفر وروية العالم وسكنها شيء ما من خيبة الأمل وتقدم زميلها في العمل –المجتهد في وظيفته- لخطبتها ووافقت كما توافق الأبنة على طعام أمها التي لا تحبه. أما عن أصدقاء البطل فقد بقى بعضهم في الوطن وسافر الأخرين بين الشرق والغرب ولم يرافق أحدهم بطل الرواية وبذلك اختفت صور الصداقة المتينة التي رسمها الكاتب وكيف أنهم كانوا يساعدون البطل أو الحبيب في الوصول لمحبوبته وكأنهم على استعداد بالتضحية بحياتهم من أجل ذلك، أما الآن فحتى لو التضحية كانت بثمن محطتين في مترو الأنفاق قد تبدو أكثر من اللازم.  وأما أصدقاء البطلة الحبيبة فقد بقوا حولها ولكنهم كأشباح لا يظهر منهم سوى صور لا فائدة منها وكأن الصداقة قد اختفت تماما من الرواية.
وجد الكاتب نفسه في مأزق حقيقي كيف، فروايته الرومانسية الحالمة قد تحولت إلى عمل درامي مؤلم. وليس هذا فحسب، بل فقدت الرواية عناصرها الأساسية وتفرقت إلى مجموعة قصص مختلفة. أبطال الرواية صارت العلاقة بينهم في الماضي فما الفائدة من جعلهم أبطال للرواية بل ما الفائدة من جعل تلك القصص رواية واحدة من الأساس. ظل الكاتب يبحث وسط الأحداث لعله يجد ما يخرجه من ذلك المأزق. كان يحاول أن يجد رابط ما ، أن يجد ولو نظرة بين الحبيب والحبيبة أو مغامرة بين البطل وأصدقائه تنتهي بإيقاف تلك الخطبة وعودة المحبين لحبهم. ولكنه لم يجد أي شيء. وجد نفسه يقترب من حقيقة واحدة، لكن انتهت الرواية ولكن من دون نهاية ..
كانت محاولته الأخيرة في شبه يأس أن يحاول أن يصل إلى نقطة تحول روايته من النسخة التي كتبها إلى تلك الحالة التي دمرت كل شيء كان يريده. كانت البداية كلها في يوم مشؤم، قرار طائش من البطل وسط عناد من البطلة وانتهى كل شيء هو سافر وهي بقت، مر على أحداث كثيرة لا تغير شيء من أساس الرواية _ إن جاز تسمية ما بين يديه رواية _ حتى وصل إلى حدث معين وهو عدد من الرسائل موقعة باسم البطل ولكن من دون تاريخ ومن دون رد.. حاول أن يصل إلى كلا المعلومتين ولكن من دون فائدة. حاول أن يعتمد على ما يعرفه عن بطله الذي بدا له أنه لم يتغير كثيراً يبدو أنه فقط تعلم أن يظهر بشكل مختلف. اكتشف شيء هاما وهو أن عدد الرسائل هو نفسه عدد الأيام بداية من ذلك اليوم المشؤم إلى يوم كتابة هذه الاحداث في الرواية _ التي بدأت تعود كرواية _ بعدد أيام يزيد عن عام ونصف العام بقليل. شعر الكاتب بنبضات قلبه تتسارع، وجدها، وجد الرابط وإن بدى واهيا، وإن كانت رسائل دون رد. ظل يبحث في الجهة الأخرى، عن رد ما، عن ابتسامة سريعا ما تختفي، عن ضربات قلب بشكل غير منتظم، عن نظرة اشتياق، ولكنه لم يجد شيء وكأن البطلة نست البطل تماماً وكأن المسافة صارت أبعد من أن تقاس بمقاييس أرضية، كان يريد أن يصل إلى أي شيء حتى يظل كلامها بطلا الرواية معا.. كيف ينهي الرواية إذا؟ هل تكون نهاية حزينة وكلنه أراد نهاية سعيدة _ أو بالأحرى نهاية غير واقعية_ قرر الكاتب أن ينهي هو الرواية بالرغم تغير الأحداث ، نهاية يعتمد فيها على عرفه عن البطلة في بداية الرواية وأن يقول بأن البطل كان يصله الرد ولكنه كان رد غير مكتوب، كان ردا يشعر به في أعماق قلبه حتى ولو خالفه عقله، أنهى الكاتب الرواية سريعا خوفا من أن تتغير الأحداث مرة الأخرى، انهها لكي يكمل سلسلة رسائله ولعل تكون هذه الرسالة هي التي يحصل فيها على رد يُرضي عقله وقلبه.

Thursday, March 1, 2018

إلى متى


بدت السماء في تلك الليلة غريبة ، فالقمر مكتمل الجمال ولكن السور الذي يحيط به بدا وكأنه يحيط بالسماء أيضا. صار يكره الطوب والحديد بعد عن عرف قدرتهم عن عزل كل شيء عن الحياة. كان السؤال الذي يلاحقه في تلك الليلة هو "إلى متى؟" في البداية كان الأمر يبدو كجرح قاتل يجب مداوته سريعا قبل أن يقتله، فإثارة الموقف انسته كل شيء. ولكن الآن صار الجرح مستقرا ، صار الألم جزء من الحياة أو بالأحرى أساسها، صار الجرح مجرد علامة تذكره بحادث مضى. السيء في الأمر هو الملل من ذلك السور الذي يحيط بقلبه قبل أن يحيط بجسده، ذلك الشعور بأن قلبه صار كأناء أمتلئ  بشيء لم يكن معد لحمله .. والأسوأ في الأمر هو أن القمر برغم اكتماله يبدو بعيد جدا، أبعد مما يحتمل. فإلى متى .. إلى متى يا قمر؟

Thursday, November 30, 2017

نهاية حرب

أغمض عينيه لثواني قليلة وحاول أن يوقف الأصوات المرعبة ما بين صراخات الألم وصراخات الخوف والصوت الأكثر رعبا ، صوت الانفجارات البعيدة وهي تقترب. منذ سنوات طويلة درس الطب من أجل ان يساعد الناس وليس من أجل تجميع اشلائهم. فجأة قطع الصمت الذي صنعه لدقائق صوت طائرة اسعاف تخترق الجو.
انفجرت الأفكار في رأسه كمنظر انفجار الدم عندما تصيب احدهم رصاصة طائشة ، وازدادت أفكاره حدة والطائرة تقترب منه وهو يلوح لها كمن فقد عقله ..
"هل حقا شعر بوجودنا أحد؟
كيف حددوا موقعنا؟ ماذا عن الآخرين ؟ كيف سننقذهم وسط كل هذا الدمار؟
لماذا دخلنا هذه الحرب؟ بل من نحارب من الأساس؟"
لم يقطع كل تلك الأفكار غير يد امتدت له من الطائرة، امسك باليد التي امتدت له وقفز إلى الطائرة والتي حلقت لأعلى على الفور ، كان يريد أن ينظر لأسفل ولكنه شعر بالخوف مما سيراه ، حاول أن يشير إليهم بأن هناك أشخاص كثيرون مازالوا في الأسفل ولكن الكلمات هربت منه وأغمض عينيه ونام لساعات وربما لأيام.
لا يدري كم من الوقت مضى ولكنه عاد ليجد كل شيء كما تركه ، الشارع يبدو طويلا كما اعتاده ، سار وهو يرمي السلام يمينا ويسارا وجد الشجرة الوحيدة الموجودة في الشارع أمام النجار كما هي فابتسم لسخرية الموقف كالمتعاد ولمح أمه من بعيد وهو تنشر ملابس أخوته وابيه لكي تجففها الشمس. تساءل لو لمحته من بعيد ؟ بالأحرى قلبها عرف بأنه في نهاية الشارع حتى وإن لم تره. انعطف يمينا وصل إلى تقاطع آخر ثم انعطف يسار وسار مسافة قصيرة ليجد المقهى والكراسي بنفس الترتيب والطاولة الخاصة به في مكانها في تستند على العمود المطل على الشارع الواسع ، ووجده يشغل أحد كراسي الطاولة ولم يطلب الشاي المعتاد بعد. جلس بجانبه وطلب قهوته بسكرها المضبوط وتركه صديقه يطلب الشاي وعود النعناع ، لم يسأله كيف هرب هو الآخر؟ ولا عن اصاباته في المعركة. جلسا سويا لساعات طولية وكأن هناك حوار صامت يدور ، كان يشعر بالدفء لأن صديقه بجانبه وكان على يقين بأن صديقه يشاركه الشعور. ظلا يراقبا حركة الناس والسيارات من امامهم وكأنهم يعيدون تخزين قصص البشر بداخل عقولهم قصص أخرى غير قصص الموت والخوف المستمر. انتهى من قهوته ولكنه نظر إلى صديقه فوجده لم يلمس كوب الشاي فقط أكتفى بوضع عود النعناع والسكر وقام بتلقيبهم وترك الكوب كما هو. نظر إليه ولأول مرة منذ جلستهم على المقهى قرر أن يسأله:
- "لماذا ذهبنا؟ لماذا كانت تلك الحرب؟"
لم يجد إجابة .. ولم يتوقع أجدها هنا ابدا.
أمسك يد صديقه وكانه يريد أن يأخذ شيء منها ، لعل الشيء كان الماضي الذي تركوه وذكرياتهم واحلامهم في فتح المستشفى الخاص بهم ذلك الحلم الذي تبدد ببداية الحرب واطلاق اول رصاصة وسقوط أول شهيد أو قتيل لا أحد يعلم .. صار الأطباء متعهدو دفن وجامعو أشلاء ، طوال سنين الحرب لم يترك أحدهم جانب الآخر ، أصبح كل منهم الأمل في الحياة التي اختفت ..
تركه وسار في نفس الاتجاه تركا بيت طفولته خلفه ، سار طويلا حتى وصل إلى البحيرة واصبح بإمكانه رؤية الشمس وهي تهبط خلف البحيرة والقمر يأخذ مكانه في وسط السماء ، لم يتخيل القمر كملك على عرشه لأن تلك الصورة كانت ستأتي بكثير من الدماء التي هرب منها في عقله. وجدها حيثما توقع عند أكبر صخرة تستقر على جوانب البحيرة ، جالسة وكأنها إحدى جنيات البحر خرجت لتوها من الماء كما في الأساطير والقصص. لحسن حظة تركت مكانا له بجانبها لكي يجلس ، لم تنظر ناحيته وهو يقترب وكأنها تراقبه بطريقة أخرى ، وبمجرد أن جلس احكمت قبضتها على يده وشبكت اصابعها بأصابعه وكأنها تحاول ان تعرف كل ما حدث اثناء غيابه عن طريق لمس اطراف أصابعه ليدها. بدأن هي الكلام ..
- "دقائق قليلة وستختفي الشمس خلف البحيرة ويظهر القمر .. القمر اليوم كامل .. بالتأكيد انت تعلم ذلك"
كان هو يراقب عينيها وحركتهم بين الماء والسمار وهو يرد عليها:
- "الآن فقط اكتمل القمر .. "
- "لماذا رحلت؟"
- "مازالت أحاول أن اعرف، لماذا رحلت ؟ لماذا بدأت تلك الحرب الكئيبة؟ لماذا سرقوا حياتي وحياة كل أولئك البشر؟ لماذا يرحل شخص عاقل تركا تلك العنينين وحدهم ... لماذا لماذا لماذا .."
- " هل عدت حقا؟"
- "لا أدري  .. عندما يتمكن الخوف والألم من قلبك يصبح الأمل فعل لا ثقل له، يصبح الأمل كزجاجة مياه فارغة في يوم شديد الحرارة وانت في وسط الصحراء ، لا يهم ما إذا كنت أريد أن العودة أو لا ، لأن بداخلي أعلم بأني فقدت كل شيء وكل شيء قد فقدني.. "
- "لماذا عدت إذا؟ "
- "عدت لكي أقول وداعا، لكي أرى الأسباب التي ستحق قيام حرب حقا."
رأى دمعاتها الصغيرة تأخذ مكاناها في وجهها وكأنه مطر ينزل بطلف عليه وهو في وسط الصحراء فيجد نفسه يرفع الزجاجة الفارغة ويجد فرحته ليست في أنه وجد الماء ولكن لأن إيمانه لم يضع سدى. كانت دمعاتها هي وداعه ، ضغط على يدها هو الآخر ولكن بلطف لأن يدها لطالما بدت صغيرة في يده لم يقو على احتضناها فمن يمكنه أن يفعل ذلك في وداع؟
عاد من حيث أتى ووجد صديقه مازال جالس على المقهى والشاي كما هو ، والدفء يحيط به بالرغم من أن الليلة أصبحت شديدة البرودة.
وصل للمنزل فوجد الجميع فانتظاره وجالسون أمام التلفزيون يشاهدون إحدى المسرحيات القديمة والتي شاهدوها مرارا ولكن لسببا ما مازالت تثير ضحكاتهم. كان الطعام على الطاولة مازال ساخنا وكأنه تم تسخينه للتو، لم تتركه عيني أمه منذ أن دخل من الباب ولم تترك حضنه أيضا وكان ابوه يسرق النظرات الدامعة إليه ويدري تماما شعور أبيه حتى وإن لم يقل كلمة ، وكان اخوته يحيطون به ويكتفون بشعورهم بأنه في وسطهم. كان يمتنى ولو تمتد الليلة للأبد ، كان يتمنى ولو أنه لا يعود أبدا ابدا ، ولكنه لم يأتي لكي يبقى ، بل أتى لكي يودع الجميع ..
عاد صوت المذياع المخيف ، "غارة قادمة من الشمال الغربي ، فليختبئ الجميع ، غارة قادمة" ، فتح عينيه ليجد الأصوات قد عادت بين الصرخات وأصوات النيران وهي تقترب .. وصديقه ممدد أمامه والدماء تغطيه .. مسح دموعه التي خانته وأخذ نفسا طويلا وتحرك نحو صديقه ، وحمله على كتفه ، شعر بصديقه يتحرك ويفتح عينيه ، كان يدري .. كان يدري بأن صديقه يريد أن يعرف كتف من الذي يحمله ، فما أسوأ من أن يموت في أرض غريبة وعلى كتف شخص غريب .. فقال له :
- "لا تقلق يا صديقي .. هذا انا وسأكون دوما انا وانت.."
كانت خطواته بطيئة ولكنها تعرف أين تتجه، سمع صوت صراخ قائده له بأن يعود لأن ما يقوم به هو جنون تام ، فهم قائده بأنه يتجه نحو النقطة الطبية الوحيدة الباقية وسط هذا الدمار , ولكن هذه النقطة كانت بتجاه النيران التي تتقرب. كان يدري بأن قائده لن يفهم أبدا من أنه قرر أن يكف أن الهرب والاختباء ، وأنه ودع من يحتاج تودعيهم .. ودع صديقه الذي يحمله على كتفه ، ودع حبيبته التي تمنى أن يعود لها ويرمي لها كل تلك الليالي ، كل ذلك الخوف والألم فمن غيرها يحمل عنه كل ذلك ، تمنى أن يعود لها ويجد الحياة التي سرقت منه ، ويرى أطفالهم يكبرون أمامهم ويجرون نحوه ويستصدمون بساقه التي تؤلمه من الحرب فيضحك متألما ويشير إلى صديقه ويخبرهم بأن عمه كان معه في الحرب أيضا ولكنه لم يصب بأذى لأن صديقه هو افضل جراح في العالم.. ولكن الأطفال سيكبرون دون أن يعرفوا عمهم بل لن يشبهوه في شيء أصلا ، لا شعره الأسود ولا عينيه الواسعتين ، ولكنه كان يدري أن وادعه سيصلها رغم كل شيء ، كان يدري بأن لو نسيه الجميع ومات كل من ذهب للحرب لم يمنع ذلك أمه من تتنظره في شباك البيت كل يوم تقف صباحا ومساءا منتظرة ذلك الخيال الذي اعتادت رؤيته وهو يعبر المنعطف الأخير قبل أن يظهر امامها ، ستظل تنتظر إلى أن تنتهي الحياة ، وأن أبيه سيخرج على الناس صباحا ويخبرهم أن فخورا بأبنه البطل وأنه ليس هناك ما يحزن عليه فأبنه كما قال بطل ، وعندما يأتي الليل سيغلق باب غرفته جيدا ويجلس على كرسيه ويبكي فكيف له أن يتحمل فقدان سنده في مثل هذا السن دون سبب مقنع ، كيف سيسير وحيدا في تلك الليالي الباردة وبمن سيفتخر وهو يسير وحيدا .. كان يدري بأن اخوته سينتظرونه في نفس المكان الذي اعتادوا اللعب فيه أمام البيت مثبتين أعينهم على نهاية الشارع منتظرون ظهروه ، سيظلون كذلك حتى ولو شابت رؤوسهم وبدا اللعب شيء ساذجا سينتظرون ظهروه ويحمل حقيبته السوداء لكي يفتشوا عما بداخلها من أشياء تسرهم.
قال بصوت ثابت لنفسه : "وداعا إذا .. "
وأكمل مسيرته وهو لا يدري إن كان سيصل أم لا ..