Wednesday, October 9, 2013

قضية اللون الأبيض


أستيقظ العالم على خبر غريب من نوعه فاللون الأبيض قرر الرحيل عن كوكب الأرض وأنه سيختفي من كل مكان. كان ذلك أول تصريح للون الأبيض يقول فيه هذا الرأي العجيب. على فور انعقد اجتماع رفيع المستوى في مقر الأمم المتحدة لكي يناقشوا هذه القضية العجيبة والإجراءات التي يجب أتابعاها لكي يوقفوا ذلك اللون المجنون. انتهى الاجتماع بأنه سيذهب وفد يمثل البشرية اجمع لكي يناقش اللون الأبيض ويحاول أن بثنيه عن قراره ولكن كان هذا الفعل بدون فائدة فيبدوا أن قرار اللون الأبيض كان نهائي وقاطع.
لم  يترك اللون الأبيض الأرض دون وداع ولكنه كتب رسالة طويلة يوجهها لكل البشر. كان مفاد الرسالة هو أنه كان سعيد بالفترة التي قضاها على الأرض وأنه عاش سنوات طويلة كرمز للسعادة والأمل والتفاؤل ولكنه لم يعد له وظيفة بعد الآن فيبدو أن البشر لا يريدون غير اللون الأحمر والأسود وأنه لا يحتمل أن يعيش كاللون من الدرجة الثالثة. وأكمل رسالته بأنه سيذهب إلى القمر وسيجعله تمام البياض ويلمع في الفضاء كل ليلة لكي يذكر البشر بما خطأهم تجاهه لعلهم يشعروا بما فعلوا ولكن للأسف بعد فوات الأوان. وأنهى رسالته بأنه سيترك للون الأخضر مهمة تمثيل التفاؤل والخير وأن قراره ليس فيه أي رجعة وسيبدأ رحلته في الليل وغدا صباحا لن يكون هناك لون أبيض أبدا غير في القمر في السماء بعيد كل البعد عن البشر.
كان الصباح التالي كئيب بطريقة لا تطاق السماء كانت داكنة وضوء الشمس داكن ولا شيء يلمع كل شيء يبدوا كئيب وكأنه الأرض ماتت. خرج العديد من الناس في التلفزيون والجرائد يقولون بأن البشر لن يتأثروا بذلك وأن كل شيء سيكون طبيعي عندما يعتادوا على الحياة بدون اللون الأبيض لكن الموضوع لم يكن بهذه البساطة. حدثت مشاكل دبلوماسية بين الدول وبعضها عندما اختفى اللون الأبيض من علم كل دولة وأصبحت هناك حروب وشيكة بسبب ذلك الأمر. أعتزل كثير من الفنانين عملهم فلم يعد هناك معنى لأي شيء جميل بدون اللون الأبيض لا بحر ولا السماء ولا الطبيعة , كل شيء غير واضح بدون اللون الأبيض. مع الوقت تغير حال البشر أصبح الليل يعني الأمل والحياة , فالليل هو الوقت الوحيد الذي يروا فيها اللون الأبيض يلمع بعيدا في تألق وروعة. ينظر إليه كل شخص وكأنه حبيبته التي تاهت منه منذ مائة عام ووجدها تجلس على قمة القمر, ينظروا للقمر نظرة الأم التي ذهب أبنها للحرب وظنت أنه لن يعود أبدا وبعد الحرب بأعوام وجدته ينظر لها من شباك صغير في القمر. كهذا كان القمر كان يحرك القلوب والعقول والخيال وأيضا الضمير , فالندم يعصر القلوب الآن , كل بشري الآن يتمنى لو أنه لم يجرح الآخر جرح صغير ولم يرى ذلك اللون الأحمر القبيح , كل شخص الآن يتمنى لو أنه لم يجعل حياة أخيه سوداء فالسواد الآن أسوأ من الموت ذاته , كل شخص يتمنى لو أن له فرصة أخرى لجعل كل شيء أبيض.
مرت أعوام وظن الجميع أن البشر سيهلكون من الكئابة لا محال وتساءل الكثير لماذا لا تتحرك بقية الألوان لكي يستأذنوا اللون الأبيض في أن يعود ولو حتى يوم واحد كل أسبوع. راقت هذه الفكرة لكثير من الناس حول العالم وظنوا بأن هناك أمل في عودة اللون الأبيض وتفاءل الكثير بأن اللون الأخضر أو الرمادي سيتحرك لأنهم الأمل الآن بعد ذهاب اللون الأبيض...
وصلت هذه الأخبار للون الأبيض في قمره البعيد وكان بالفعل ينتظر أن يأتي له أي لون لكي يقنعه بالعودة وكان ينتظر كما أنتظر البشر أن يأتي الأخضر أو الرمادي , لكنه تفاجئ بشيء عجيب تفاجئ بأن أحدهم كان يطير بجانبه طول الوقت منذ حياته على الأرض إلى تلك اللحظة إنه اللون الأسود!!
قال الأسود للأبيض أنا أعلم كم هي دهشتك الآن أنني أنا من يتحدث إليك, نعم أنا اللون الأسود جئت إليك أنت اللون الأبيض أدعوك أتعود للأرض... قبل أن تقول أي شيء أسمع ما أقول لك..
أنت لا تعرف ما حقيقة ما فعلت , صدقني أنا .. أنت تكون مع العروس في فستانها الجميل , ولكني أكون معاها عندما تكون أم فقدت أبنها أو زوجة فقدت زوجها , هي تبحث الآن عن لون أبيض في أي شيء ولا ترى إلا اللون الأحمر وأنا !!
أنت حرمت كل شخص من أهم حق, حق الاستسلام, لم يعد هناك رايات بيضاء, كل معركة الآن تنتهي باللون الأحمر وأنا!!
لقد حرمت كل إنسان سقط في حفرة الليل أن يخرج إلى النهار , لقد تركت لي هم كبير لا أستطيع احتماله أنا أسهر دائما مع دموع البشر مع همومهم , مع قلب الحبيب وهو ينتظر محبوبته , مع الأب الذي يحاول أن يدعي أنه مازال يعي ما يحدث حوله وهو ينتظر أبنه المسافر منذ أعوام , أنتظر مع الحالم أن يتحقق حلمه , أمسك بيد روح كل بشري حتى لا أفتك بها في ظلمة الليل , أعطي الأمل بأنني سأهرب بمجرد مجيئك وأنه عليه فقط أن ينتظر , أقول لليل ألا يقسو على البشر لأن النهار ببياضه سيأتي عما قليل وعندها سيكون قاسي على كلانا ...
لقد تركتني الآن أعاني و أعاني أنا كنت أحب عملي كثير , نعم فأنا أحتضن كل شخص في أحزانه , أحتضنه وهو يحترق من الداخل , أحتضنه وهو يظن بأن العالم انتهى وأن الحياة ليس لها معنى بعد الآن , احتضنته وأضمه بشدة لكي يبكي ويبكي دون أن يتوقف و أنا أعلم بأنك ستأتي في الوقت المناسب لكي تجعلني أذهب في هدوء وتمسح الدموع وتجعلهم يقفوا على أرجلهم من جديد..
أنا ادعوك الآن لكي تعود لأني لا تحمل هذه المهمة بعد الآن !!
حدث شيء عجيب لثواني , كل لون أسود في كل مكان أصبح أبيض لامع يفوق الخيال, وعاد كل شيء لطبيعته وجماله المعتاد وعاد الأبيض والأسود إلى عملهم في انسجام تام , ولكن هل يرضى اللون الأحمر بذلك ؟!


Monday, October 7, 2013

النجم يتألم




يلمع في الفضاء في هدوء تام. ضوءه لا ينقطع ويعطي معنى مختلف لليل ...
المشهد الأول ,زوجان يجلسان على الشاطئ في منتصف الليل والموج الأبيض يظهر فجأة ويختفي في سواد الماء. الزوج ينظر لزوجته ويخبرها كيف أن حبه لها مثل حب هذا النجم للنور فبدونه هو ولا شيء , لا يمكنك أن تفرقي حقا بين النور والنجم , النجم والنور , كهذا أنت بالنسبة لي. إذا جاء الوقت واختفى النور فتأكدي بأني سأذبل وأنفجر , سأرسل للفضاء بأكمله بأن النور قد ذهب وبأن حياتي انتهت. حبي ليس كقمر أو كوكب يحتاج للشمس لكي تجعله يلمع ولكنه حب دائم بدوام النور.. أنتي كنور ذلك النجم الجميع يهتدي به لكن من يحاول أن يسجنه يحترق ... من يحاول أن يقترب منه عليه أن يتحمل ذلك الألم في سعادة ... تتحرك الزوجة لكي ترد على كلماته ولكنه يمنعها في هدوء ويقول لها, دعينا نشاهد النجوم فأنت لكي نجوم السماء وأنا لي نجمتي على الأرض ...
مشهد آخر لرجل في الصحراء بعد دقيقة من منتصف الليل. الرجل يبحث في السماء كالمجنون عن النجمة التي يعرفها ,عن النجمة التي تقف فوق وطنه. ينظر يمين ويسار ولا يرى سوى القمر ويبدو وكأنه شخص ما قد دمره أو هو فقط الزمن يفعل فعلته كما في كل شيء. بدأ يفقد الأمل , بدأ نور النجمة التي يعرفها يتلاشى من عينيه وقلبه والجزء المسروق من القمر بدأ تمدد ومع الوقت تحول القمر إلى هلال رفيع. هو الموت إذا لا محال , فيبدو أن القمر أصبح هلال لكي يعطيه تحية أخيرة أو بالأحرى درس في الحياة أن حتى القمر لا يهرب من الزمن. بقى خيط رفيع جدا من القمر, عندها شعر بكره غريب للنور وللنجوم ولكل شيء يلمع في السماء فحتى القمر لم يقدر على أن يقف في هدوء في السماء يسانده في تلك الليلة الظلماء.. ولكن يبدو بأن القمر كان يريد شيء آخر باختفاء الخيط الأخير من القمر ظهرت نجمة الوطن وسط الظلام التام...
مشهد ثالث لطفلان يجلسان بعد ميعاد نومهم بكثير فنحن في الدقيقة الثالثة من منتصف الليل , الطفلان يجلسان في دفء حجرتهما وينظران من الشباك إلى السماء المظلمة. أحد الطفلين يسأل الآخر هل تعرف لماذا هذا النجم يلمع هناك ؟ ويشير بقوة بأصبعه الصغير إلى نجم معين في السماء. فيرد عليه الآخر بحكمة الأطفال الكبار , النجم يلمع لأنه يمتلك الكثير من النور وهو يكره الظلام جدا فهو يريد أن يصبح الكون كله مضيء. فيقول الأول أنا أحب النجوم كثيرا , كم أتمنى أن يكون كل شيء في العالم مثل النجوم عندها لن أخاف أن أغلق باب الغرفة...

مشهد أخير , الدقيقة اللانهائية قبل و بعد منتصف الليل , النجم في الفضاء الواسع المظلم يقف وحيدا , لا تصل إليه نظرات المحبين ولا التائهين ولا حتى نظرات الأطفال البريئة. لا يشعر بالوقت ولا بأي شيء , فهو فقط يشعر بالظلام ويحاول أن يرسل أشارات استغاثة لأي عابر بأن يأتي وينقذه ولكن لا أحد يستجيب , فالكواكب تكتفي بأن تعكس أشاراته إلى كواكب أخرى وباقي النجوم تقف بعيدة مكتوفة الأيدي وترسل رسائل مشابه لرسائله , الوقت لا يمر , الظلام وحده هو الحقيقة الآن.  فجأة شعر بأن دقيقة مرت و أن هناك مشاعر شخصين جاءت متلاحمة , فجأة شعر بدقيقة أخرى وشعر بشخص يجد ضالته ومرت الثلاثة وشعر لأول مرة بصفاء النور الذي يرسله , شعر بأن الوقت الذي يمر وبأن حقيقة وجوده هي عكس الظلام تماما و بأنه لا يحتاج أكثر من يعيش ... 

Sunday, August 11, 2013

لو في حد لسه بيتابع هنا في حاجة كويسة ان شاء الله هتكون على اخر الصيف لو حد حابب يقرا يعني  :)

Thursday, July 4, 2013

يوم جديد


استيقظت من نومها على صوت الشارع يعلو من خلال شباكها الكبير, نظرت إلى الساعة في هتافها بجانب السرير و رأت التاريخ مكتوب على الشاشة فقالت لنفسها بصوت هادئ يخلو من أي مشاعر "يوم جديد إذا يا هند". توجهت هند نحو الشباك وكالعادة فاجئها ضوء الشمس ودخل بقوة إلي عينيها التي مازالت آثر النوم واضحة عليها لكن هذا لم يمنعها من تقلب نظرها في وجوه الناس و تتخيل قصص _قد تكون حقيقة_ لهموم هؤلاء الناس ,فقط من خلال تأملها لنظرات أعينهم وحركتهم.  انتهت من تأملاتها الصباحية عندما سمعت "يا هند" من أمها و الصوت يأتي من المطبخ. غسلت وجهها بماء بارد لعل البرودة تتسرب إلى داخلها وتوقف تصارع الأفكار بداخلها. توجهت إلى أمها وقامت بتقبيل رأسها وأخذت دورها في إعداد الإفطار. دار الحديث بينها وبين أمها في كل أمور الحياة كعادتها, وكما توقعت أنتهي الحديث بذكر أسم أبن عمها وكيف أن أي بنت تتمنى أن تكون عروس له. تركت هند السلطة التي كانت انتهت من إعدادها لتوها و حضت أمها وقبلتها على رأسها وقالت في أذنها وهي تبتسم "لن أكون أبدا واحدة منهم, و أنا على أي حال لا يشغلني الزواج الآن". قالت ذلك وهي ليست على يقين من النصف الثاني من الجملة لكنها على أي حال متأكدة من نصفها الأول. ابتسمت الأم وكانت تشعر بالفخر بأن أبنتها كبرت وأن لها رأيها الخاص في زواج وحاولت أن تخفي ابتسامة الفخر في جملة عتاب مازحة. نادت هند أختها الصغيرة و أبيها و اجتمعوا على مائدة الغذاء وانقطعت هند عن العالم بعد أن دخلت الأسرة في حوار مشترك و صوت التلفزيون مع صوتهم يمثل أفضل غطاء لسفرها في عالم أفكارها العميق. عادت للمائدة مرة على نداء أمها " يا هند , هل انتهيت من طعامك ؟ أختك تريد أن تجمع الأطباق". أشارت برأسها أنها انتهت فهي على أي حال لا تشعر برغبة كبيرة في الأكل. عادت لغرفتها و حاولت أن تنسى أفكارها بأن تقوم بشيء اعتادت عليه وهو أن تجمع قصاصات ورق من مجلات و جرائد جديدة و قديمة, مقالات أو صور وتعلقها على جدار خاص في غرفتها. لكن يبدو أن عقلها لا يريد أن يستسلم بسهولة فيبدو أن جميع القصاصات تعيدها إلى ذلك اليوم الذي تهرب منه منذ أن استيقظت من نومها. يبدو أن جزء منها مازال يعيش ذلك اليوم مرارا وتكرارا فقد عقلها يدرك الحقيقة بكل صعوبة عندما تنظر إلى التاريخ وتعلم أنه جاء يوم جديد. تحاول أن تقنع نفسها أن ما مضى مضى ولكن هيهات أن تسمع أذنها و التي انغلقت منذ ذلك اليوم حتى لا تسمع صوت آخر أو عينيها التي لا تريد أن ترى غير ذلك الحلم الذي أصبح من الصعب رؤيته أو بالطبع قبلها الذي تمرد على كل شيء كانت تؤمن به  وأصبح له منهجه الخاص في الحياة. علقت القصاصات في صمت على الجدار وتركتها وعادت إلى الشباك وجدت الشمس قد تحركت من مكانها, يبدو أن الوقت مر بدون أن تشعر. عادت إلى عيون الناس وهمومهم, وتعجبت كيف أنها لم تفهم هذه العيون وهمومها من قبل و كأنه أنكشف لها سر من أسرار الحياة. اختفت الشمس من السماء تماما معلنة بداية حياة جديدة , بداية الليل, أغلقت الشباك و أمسكت هاتفها و لم تحتاج أن تبحث كثيرا عن رقم صديقتها التي لا تتوقف عن الحديث معها , مرت ساعة من الحديث قبل أن يبدءوا في مراسم انتهاء المكالمة ويتأكدوا من أنه ليس هناك أي شيء لم يتناولوه بكامل تفاصيله. انتهت المكالمة وخرجت هند من غرفتها خوفا من أن تعود أفكارها لها وجلست قليلا مع أسرتها أمام التليفزيون الذي لم يمنعها من أن تعود إلى كل شيء تهرب منه. أمسكت بهاتفها قليلا لكي تتحدث مع أصدقها عن أي شيء و مر الوقت وهي تتحدث مع الأصدقاء و تعلم كل ما هو جديد عند أصدقاءها أو في العالم كله ولكن كل حين تعود إليها أفكارها و كأن فجأة ستظهر لها رسالة من بين رسائل أصدقائها تعيد ترتيب ما دمره إعصار الأفكار. شعرت هند بالتعب وذهبت للشباك من أجل نظرة أخيرة قبل النوم فوجدت القمر يشق الظلام بكل تحدي و يقف في وسط السماء يرسل نوره في كل مكان , نظرت إلى قمر و تخليت همومه و كأنه شخص مثل سكان الشارع الذي تتخيل همومهم يوميا, تخليت القمر شخص طبيعي مثلها يقف في الظلام ونوره الذي يضيء كل مكان هو صوته الذي ينادي به ,فالقمر لم يكن وحيد طول الوقت بل كان هناك نجوم تلمع وتتألق حوله و هو يقف بينهم في كل فخر و منذ أن اختفت النجوم و هو ينادي بضوئه هذا في السماء المظلمة لعل النجوم تعود و ييئس بعد شهر و يختفي ويترك السماء مظلمة ولكن يأسه يختفي وبعود ينادي بضوئه وبعد شهر ييئس و يعود و هكذا.... حتى نظرت هي إليه و قالت بصوتها الهادئ "هون عليك يا قمر إن كانت النجوم تركتك وحيدا في السماء فأنا لن أتركك أبدا و أنت لن تفعل أيضا , أليس كذلك؟" ولكن صوتها لم يصل إلى القمر المضيء البعيد و ذهبت إلى سريرها ونامت مع أفكارها التي لا تنام و في الصباح استيقظت ونظرت إلى التاريخ الذي تغير و قالت بنفس الصوت الهادي "يوم جديد إذا يا هند...".


Monday, July 1, 2013

يوم غريب

يوما ما ستخطئ طريق العودة للبيت. ستتوه عن الطريق إلى مدينتك , أهو يمين أم يسار , أهو ذلك الطريق الفرعي أم الطريق الأخر. ليالي و ليالي حتى تصل للمدينة. ستبدو الشوارع غير الشوارع التي كنت تعرفها , ستبدو البيوت غير البيوت , الناس غير الناس. ستتساءل هل مرت الأيام بهذه السرعة و تغيرت البيوت و الشوارع والناس ؟ أم أنها هي الذاكرة تخونك ؟ ستطاردك الأسئلة كما تطاردك الوجوه الغريبة من حولك. سيبدو البيت ابعد ما يمكن ما انك من المفترض في المكان صحيح. عندها أرجع على نفس الخطوات التي سرت عليها طوال السنوات السابقة فمدينتك تركتها في الماضي ولن تستطيع ان تعود اليها في الوقت الحاضر...  

Friday, June 7, 2013

عندما اختفت الشمس



مر الآن 10 سنوات على آخر ظهور للشمس, قليل من يتذكر الآن ذلك اليوم, كأنه حدث منذ 1000 عام وليس عشرة. منذ عشر سنوات أشرقت الشمس كأي يوم عادي بالطبع لم يشعر أي شخص بأن هناك شيء غريب فالشمس تشرق كل اليوم ما الجديد !! مر ساعات ذلك اليوم و جاء وقت الغروب وبالطبع لم يعلم أحد بأن هذا آخر يوم تضيء فيه الشمس الأرض. كانت صدمة كبيرة للعالم في الأيام التالية لهذا الحدث عندما لم تظهر الشمس في السماء و كان تركيز العالم كله على أن تدوم الحياة فوق الأرض فتوالت الاختراعات من مصادر للأكسجين أو مصادر غذاء غير النباتات و اختراعات هائلة عالمية لكي تحافظ على الأرض في موقعها في الفضاء حتى لا تتعرض لأي خطر, وحاول العلماء و رجال الدولة أن يعوضوا نور الشمس  بشاشات عملاقة تعلق في الشوارع و لكن مع الوقت وزيادة استهلاك الكهرباء أصبحت الشوارع تميل للظلام , فقط مصابيح صغيرة معلقة في الشوارع.أصبح الإنسان وحيدا على الأرض فالنباتات لم تنجو رغم الاختراعات الحديثة فالنباتات ليس لها غنى عن الشمس و  شعر الإنسان بالتهديد من حيوانات و خصوصا أن موارد الأرض بدأت تقل وفي تصرف بشري قبيح فقاموا بقتل الحيوانات بدون أن يهتموا بالحفاظ عليها و كأن الإنسان له الحق في أن يسيطر على الأرض. ومع الوقت أصبح نظر البشر ضعيف ولا يستطيع أن يميز بين الغذاء الغريب المخترع حديثا وأي أداة أخرى موجودة فظهرت نظارة جديدة ليس بها أي ألوان أو أي شيء فقط تميز له بين الغذاء و بين الأشياء التي يملكها و تجعله يسير في طريقه بدون أن يتخبط في الطريق. في عصر كهذا سيطرت شهوات البشر على حياتهم بالكامل فهم قتلوا الحيوانات و كأنهم يأخذون مكانه على الأرض, و أصبحت حياتهم عبارة عن طعام و نوم فقط و العلاقات بين البشر كأنهم الآلات و الزواج و الحب بين الرجل و المرأة كأنه واجب لابد قضائه. بالطبع اختفت كلمة "الجمال" في هذا العصر, لم تعد هناك وألوان أو نور بأي شكل من الأشكال ببساطة أصبح كل شيء كئيب وقبيح.
بمرور الوقت أصبح البشر يعيشون في قرى صغيرة محدودة بها قليل من الموارد و الآلات التي تضمن حياتهم و باقي الأرض صحراء مظلمة لا يعيش بها غير الموت! في وسط هذه الصحراء وعلى أطراف مدينة كانت تعيش في بيت صغير فتاة في بداية الثلاثينيات من عمرها , كانت تخرجت حديثا عندما اختفت الشمس و كانت تدرس علم النباتات و بعد الظروف الجديدة تحتم عليها أن تدرس علم جديد و هو علم "بدائل الشمس".استطاعت خلال الخمس سنوات الأولى من الكارثة بمساعدة عدد كبير من العلماء أن تصنع نظام متكامل لها في بيتها فكان عندها نباتات تأكل منها و مصابيح صغيرة تضيء لها البيت , المشكلة في هذا النظام انه يحتاج إلى اهتمام يومي كثير و تطبيقه على مستوى كبير شبه مستحيل و بالطبع لم يعد أحد يهتم بالنباتات ولا النور فالنظارات الحديثة أغنتهم عن كل ذلك. لكن هذه الفتاة كانت الألوان و الطبيعة هي كل شيء في حياتها فلم يكن لها أن تستسلم بسهولة و تترك الشمس تختفي وتأخذ معها النور والألوان و الطبيعة و لكنها ستقف و تموت من أجلهم.
فقد الجميع كل أنواع الاهتمام و الاشتياق إلى الطبيعة و الألوان فقط انصب اهتمامهم على الطعام و أن يبقوا على قيد الحياة و الغريب في الأمر أن الكل فقد الأمل في اليوم الأول و كأن الشمس لم تكن. ولكن فتاتنا على العكس تماما, فالشمس كانت كل شيء بالنسبة لها, كانت هي الصديق والنور والألوان التي سرقت قبلها على مدار الأعوام, الشمس هي الطبيعة بخضارها و ألوانها الزاهية, الشمس بنورها الأبيض الذي ينشر الدفيء في قبلها وكأنه أعز الأشخاص عليها.اعتادت الفتاة منذ أن كانت طفلة أن تذهب إلى مكان في المدينة مليء بالأشجار و تجلس على الأرض و ترسم غروب الشمس بألوانه الخلابة, كانت تلك هوايتها الخاصة التي طورتها على مدار الأعوام. كان عندها مئات الرسومات والتي تزين جدران بيتها الآن. أصبحت الشمس أعز أصدقائها فبل أن تتم رسمتها كانت تحكي لها كل شيء عما حدث لها في يومها و عما تنوي القيام به  و حتى الطعام شاركت الشمس فيه فكانت لا تتناول الطعام إلا في موقعها هذا. عندما اختفت الشمس تمسكت بكل رسمه قامت برسمها و كانت تقف أمام رسوماتها كل يوم في نفس الوقت تحاول أن تستعيد صديقها و الذكريات التي كانت بينهم.

بمرور الأيام بدأت تشعر بأن الحفاظ على النظام الخاص بها أصبح صعبا جدا و خصوصا أنها بمفردها و بالرغم من تعلقها و عشقها للشمس بدأ اليأس يتسرب لقلبها و لكنها لم تفقد الأمل أبدا. أكثر شيء أقلقها بأنه إذا فشل النظام سيضيع كل الشيء الألوان, الطبيعة, النور و ستتحول إلى كائن بشري بحت يبحث عن شهواته فقط مثل باقي البشر في ذلك الوقت و بالنسبة لها الموت أهون لها على أن تعيش هذه الحياة. لم أمامها كثير من الاختيارات فهي إن بقت في بيتها الصغير, أيام و سيفشل النظام و تبقى في ظلام تام تنتظر الموت. بعد تفكير طويل قررت بأنها ستأخذ صديقها معها , ستأخذ الرسومات الخاصة بالشمس بألوانه الخلابة و تذهب إلى المدينة حيث الجمال و الألوان كلمات ليس لها أي معنى. كان معها مصباحين أحدهم يكفي أن ينير لها الطريق و الآخر يكفي أن يبقى لعدد قليل من الساعات. أخذت تتأمل الرسومات طويلا قبل أن تذهب و تتذكر كيف كان منظر الشمس و هي ترسل نورها في كل مكان و يكفي أن يجعلها في قمة السعادة فكانت تشعر بأنها وجدت صديق كانت تبحث عنه طول حياتها و هو موجود معها كل يوم. بدأت الفتاة رحلتها إلى المدينة و منظر الشمس يدور في رأسها. وصلت إلى المدينة بعد رحلة شاقة في الصحراء تخللها كثير من الأفكار والذكريات, وجدت الفتاة المدينة كما توقعت الضوء قليل جدا و المدينة قبيحة. آمنت بأن هذه هي نهاية كل شيء نهاية الجمال و الألوان و نهاية حياتها. اختارت حائط في شارع من شوارع المدينة وعلقت عليه رسوماتها و هي تغالب دموعها , الآن فقط تشعر بأن فقدت صديقها , عندما اختفت الألوان و الجمال من على الأرض. علقت جميع الرسومات على الحائط وسلطت المصباح الوحيد الذي تملكه على الرسومات. كان متبقي معها قليل من الطعام تناولت وجبة سريعة ونامت على الرصيف أمام الحائط.  نامت بينا أمل وذكريات الماضي و يأس الحاضر و رأت في منامها الشمس كما كانت من قبل بأشعتها البيضاء الجميلة و لكنها رأتها تبكي و الأمطار تغرق الأرض , حاولت أن تجري نحوها ولكنها تفاجئت أن الشمس سقطت فجأة من السماء وأصبحت الأرض في ظلام دامس. استيقظت والدموع تجري على خديها وبدأت تفقد النور المتبقي من أشعة الشمس بداخلها , فكل الأمل و الأفكار و الذكريات بدأ اليأس يحل محلهم , كانت تشعر بأنها لا تستطيع أن تمسك الفرشة و الألوان بعد الآن والأسوأ أن الطعام قد نفذ!! في محاولة يائسة منها جعلت المصباح الذي كان معها ينير لوحها المعلقة على الحائط على أشد ما يمكن و كأنها تريد أن تستعيد صديقها ولو حتى للحظات قليلة. تأملت اللوح لدقائق قبل أن يغلبها التعب و اليأس و تغلق عينيها ببطء... فجأة استيقظت على صوت غريب, صوت زقزقة عصافير !! هي لم تسمع ذلك الصوت منذ سبع سنوات على الأقل , قامت من نومها وحركت الضوء القليل المتبقي من المصباح ناحية الصوت , وجدت مجموعة من البشر يتحركون نحوها. شعرت بالخوف ,بالتأكيد هذه هي نهايتها فهم رأوا الضوء و سيأتون نحوها ليأخذوا منها أي طعام أو مصباح. استسلمت الفتاة فهي في كل الأحوال كانت يئست من أن تعود الشمس أو أن ترى الألوان أو أي شيء جميل من جديد ... و عندما اقتربت مجموعة البشر وجدت أنهم مثلها تماما ولكن لكل شخص قصته فواحد يحمل معه صور كان يلتقطها بكاميراته الخاصة وآخر استطاع أن يحمي مجموعة من العصافير ذات الألوان الرائعة , كل منهم يحاول أن يحتفظ بنور الشمس الأبيض داخله بطريقته , كل منهم مازال يرى الأرض خضراء جميلة واسعة في خياله. كل واحد منهم يضمن بقاء الحلم عند الآخر, عندما يضعف النور عند واحد منهم يعطيه الأخر من نوره.  الشمس لم تشرق من جديد ولا أحد يعلم متى ستشرق وإذا كانت ستشرق أم لا , ولكن فتاتنا تأكدت من أن حلمها لن يموت أبدا و أنها لن تفقد صديقها أبدا , نور الشمس لن يختفي أبدا فهو يعيش بداخلها و بداخل كل رسمه رسمتها و كل نظرة نحو الطبيعة نظرتها من قبل. الشمس اختفت منذ عشر سنوات لكنها مازالت تشرق كل يوم في معادها وتغرب في معادها دون أن تتأخر دقيقة واحدة , مازالت الألوان الرائعة تتألق في البساتين و العصافير تلعب بين الشجر و الحيوانات كما كانت تجري في كل مكان دون خوف كل ذلك في تناغم بين الأصوات و الألوان الجميلة  , مازال النور الأبيض ينير كل شبر على الأرض , مازالت الشمس الصديق والدفء داخل قلب الفتاة و قلب هؤلاء البشر, الشمس لن تموت أبدا حتى لو كانت بعيدة كل البعد عنا ...... 

Saturday, June 1, 2013

يوم كامل




استيقظ من نومه على ضوء الشمس يداعب عينيه و قام من سريره نشيطا بعد نال قسطا جيدا من الراحة. استحم سريعا و تناول إفطاره في الحديقة و هو يقرأ الجريدة الصباحية ثم ارتدى ملابس قطنية خفيفة تناسب ذلك الجو الحار. اخذ قليلا من الوقت لكي يختار كتاب مناسب و في النهاية وقع اختياره على رواية لكتابه المفضل و أخذ الكتاب و هو يبتسم. خرج من منزله وسحبته الرياح الخفيفة و راحة البحر نحو الشاطئ. اتخذ مكان بالقرب من البحر ووضع رجليه في الرمال و اخذ يقرأ الرواية التي اختاراها. بالرغم من حرارة الجو لم يستطيع أن يقاوم حبه للشاي فطلب كوبا من الشاي بعد أن تأكد من الرجل سيقوم بأعداده كما يريد تماما. اخذ يتأمل في ضوء الشمس يلمع فوق الماء ويشاهد البحر وحركته المستمرة. دائما ما يجذبه البحر فهو بالنسبة له ليس جماد ولا حتى مجرد شخص بل هو صديق مقرب. ترك صديقه لدقائق وجلس يشاهد الأطفال والناس كيف أن كل منهم يرى صديقه البحر بشكل مختلف ولكن هذا لم يغير رؤيته ناحية البحر. عاد من جديد لكتابه و اندمج في القراءة وبجانبه كوب الشاي و من حوله البحر برائحته و رياحه. للحظة كل شيء يبدوا كاملا ... ترك الكتاب و نظر من جديد للبحر يحاول أن يبحث عن إجابة لسؤال دار بداخله عند صديقه المقرب  , انتظر وقت طويل دون أي إجابة , هو أساسا ليس متأكدا من سؤاله. هو يعلم تمام العلم أن هناك خطب ما , عندما استيقظ من نومه كان هناك شعور آخر غير شعور الراحة الذي يعرفه , تذكر وهو يتردي ملابسه كان يشعر بأن هناك شيء نسيه , وهو يختار الكتاب كان يشعر بأن هناك شيء ناقص. تذكر أنه طلب كوبين من الشاي و ليس كوبا واحدا... ولكنه نظر ووجد كوب الشاي موضوع وحيدا على الكرسي الآخر كما تركه. نظر حوله مرة أخرى ولكنه وجد بان وجوه الناس غريبة عنه وبقى وحيدا مع كرسيه. تذكر بأن الشيء الوحيد الذي كاد أن يجعل من يومه كاملا هو الحلم الذي انتهى باستيقاظه من النوم و بداية "يومه الكامل".