Tuesday, March 24, 2015

خطواته الأولى

كان يخطوا خطواته الأولى وهو حذر ألا يسقط وعيني أبيه وأمه مثبتة عليه، ولكنه لم يكن مدرك ما يخطوا نحوه
كان يرى كل شيء باللون الأبيض ولكنه لم يدرك بعد أنه قد وُلد بمشكلة في نظره
هو لم يكبر بعد، لم يغادر بيته ولا غرفته ولا ألعابه ، مازالت طفولته تحيط به كما هي بداخله
ولكنه عما قريب سيكبر ، بالنسبة له كل الخطوات حتى وإن تخطت الملايين هي أولى خطواته
عما قريب سيكبر ولكنه سيرى كل شيء باللون الأبيض كمان كان
عما قريب سيكبر ولكن أحدا لم يحذره من أن عما قريب ستتلاشى طفولته من حوله وتبقى بداخله تشعره فقط بالوحشة. 
سقط في الخطوة الثالثة ولكن أمه التقطته سريعا وهي تحمله وتدور به في سعادة تكفي العالم كله ، عما قريب سيكبر وسيقط في أحدى خطواته ... 

Saturday, March 21, 2015

وجوه


نرى أعداد كبيرة من الوجوه يوميا، أحيانا تكون بالعشرات وأحيانا تصل إلى مئات. هناك بعض الوجوه المألوفة وأخرى غريبة. بعض الوجوه تجعل قلبك كفراشة في فصل الربيع وأخرى تجعل الخريف يشتد. وجوه تبدوا مألوفة دون أي سبب واضح وتحاول جاهدا أن تتذكر كيف تعرف هذا الوجه, وأخرى من المفترض أن تكون مألوفة ولكنها شديد ة الغرابة. بعض الوجوه نظل نبحث عنها في كل وجه نراه مع أننا على تمام العلم أن تلك الوجوه لن تظهر هنا ، لن تظهر الأن ، والأسوأ ألا تظهر أبدا، ولكن ذلك لا يمنعنا أبدا من أن نتخيل أن الوجه الذي سيظهر من خلف الباب المغلق هو الوجه الذي طالما انتظرنا ليالي وليالي.
شيء عجيب أن البشر بالمليارات ومع ذلك وجوههم تختلف حتى وأن كان هناك بعض الشبه. ولكن الأعجب أن أيضا أن ملاح الوجه لا تتحدد فقط بتلك الصفات الظاهرية ولكنها تتشكل مع الوقت ، لعلها الروح تضفي تأثيرها ولكن الأكيد بأن الوجه يختلف مع الوقت ولا أعني تأثير الزمن الذي لا مفر منه. ولكني أتحدث عن ذلك التغيير الذي يجعل وجوه من نحب تزداد جمالا كل يوم، ذلك التغير الذي يزرع تلك الملامح ليس داخل الذاكرة بل في أعمق نقطة في القلب حيث تجتمع الذكرى مع الصورة مع كل شيء. نعم ، ذلك التغيير الذي يجعل الوجوه المألوفة تبدوا مألوفة حتى وإن افترقنا لأعوام الطويلة ، حتى وإن لم نرى تلك الوجوه لسنين بل وفرقت بيننا المسافات ربما ستختفي تلك الصورة الموجودة في العقل صورة ملامح الوجه ، المسافة بين العينين مثلا ولكن هناك صورة أخرى باقية لا تتزحزح وهي تأثير تلك العنين. بطريقة أو بأخرى سيقوم الوقت بفعلته ، ستظهر الخطوط على الوجه ، ستثقل العنين من هم أو حزن أو حتى فرح ، ستتغير شكل الابتسامة ، سيتغير لون الشعر ولكن خلف كل ذلك هناك صورة ثابتة لا تتغير فخلف كل خط قصة ضحكة طويلة او بكاء طوال ليلة كاملة ، خلف ثقل العينين سهر ليالي ، خلف الشعر الأبيض مشاوير طويلة ، وخلف كل ذلك ملامح وجه آخر كان يراقب كل ذلك في هدوء وربما في خفية أيضا كان يراقب ويسجل لذلك عندما يبيض الشعر وتنتشر الخطوط لن يراها بل سيرى ما وراءها.
وجوه الأطفال عالم آخر منفصل تماما، وجوه صغيرة تذكرنا كيف أن كل شيء في النهاية صغير. كيف أن الإنسان يبدأ حياته بوجه حجمة لا يتعدى كف يد وأنف في حجم عقلة أصبع. وجوه جميلة تشبه في جمالها جمال السماء أو الكون. تجده مرة يبتسم وفجأة يمطر دموعا وسريعا ما ينام في هدوء حتى يأتي الصباح ويفتح عينيه الصغيرتان في هدوء.

أظن بأن هناك وجه مازال ناقصا، أظن بأني كنت أحاول أن أهرب منه كما نحاول جميعا. نهرب منه في الرحلات البعيدة، في ليالي الأرق الطويلة، في الانتظار على باب غرفة العمليات ، في صالة الوصول في المطار، بجانب الهاتف ، على جانب الطريق والسيارة معطلة، أمام الشركة وأنت تحمل خطاب الإقالة، عندما تجد فجأة أن جميع المقاعد أصبحت خاوية إلا مقعد واحد، عندما تنظر إلى الحائط الزجاجي في المقهى بالخطأ، عندما تنظر في مرأة السيارة الأمامية وترى انعكاس عينين حائرتين، عندما تمطر طوال اليوم وتنظر إلى بركة الماء المتجمعة أمام المنزل، عندما تنظر إلى شاشة الكمبيوتر وقد أغلقت لأنك ظللت تنظر إلى الحائط لساعات ثم تسقط عينيك بالخطأ على الشاشة فترى الانعكاس الذي طالما هربت منه ، ترى الوقت يمر ، ترى كل قرار اتخذته ، ترى جميع الوجوه التي تعرفها ، ترى الهموم والمخاوف ، ترى كل شيء .... ترى ملامح وجهك ويبادرك بسؤال صعب "هل وصلنا بعد؟" ... 

Tuesday, March 10, 2015

رسالة



ابنتي العزيزة،
اعلم تمام العلم بأن الخبر كان أليما عليك حتى وإن حاولت أن تخفي ألمك بين صفحات عينيك اللامعتين. لكن سفري لم يكن باختياري تماما كما كوني أمك وكونك أبنتي لم يكن باختيارنا ولكن هكذا وجدنا أنفسنا وسط هذا العالم. ولكن علي أن أكون صريحة معكي فأنت لم تكبري وحدك كما يظن العالم، بل كبرنا سويا. كنت حين تمرضين أمرض معكي وتمر الساعات بطيئة أراقب عينيك وهي تغزل داخل قلبي وصلات لا تنقطع إلى قلبك. وكأننا نتقابل كل يوم من جديد وكأن كل صباح أتفاجئ من جمال عينيك وكأني أرى هذا الجمال لأول مرة على الأرض....
لا أخفي عليك أني خائفة من السفر وحدي بالرغم من هذا ما أعتد عليه قبل مجيئك ولكني كما أقول لكي بأني كبرت معكي مثلما أنت كبرتي تماما. ستمر الأيام في سفري بالتأكيد لن تتوقف كما يعتقد كلانا الآن. ولكني على تمام اليقين بأننا سنرى كل شيء بطريقة واضحة وكأننا نرى جمال كوكب الأرض من الفضاء لا يظهر فساد البشر عليه. ستقابلين كثير من الأصدقاء بالتأكيد ولكن مهما حدث ستظل الوصلات التي غزلت قلوبنا معا قائمة مهما ابتعدنا. ستظل قائمة مهما ابتعدنا حتى نتقابل من جديد. لأن هناك بعض الصلات التي تظل قائمة للأبد كعينيك والقمر. قد لا تفهمين دوافع سفري الآن ولكن أرجوا أن يكون بداخلك ذلك الصوت الذي طالما كان موجودا ونحن نسافر في زمن هذا الكوكب. أحيانا المسافات تقرب أكثر مما نظن ...
وبالتأكيد يا عزيزتي ٍسأظل أحبك كأول يوم رأيت عينيك وهي تلمع في وجهك الأحمر الصغير وأنا أحملك في كفي ...


Monday, February 23, 2015

اتفاق


كانت حرارة الجو تؤكد لها أن الشمس فوقها تماما ولكن لسببا ما تجهله كانت تشعر ببرودة القطبين قد تجمعت بداخلها. كانت تحاول أن تحسب كان ليلة مرت على تلك الساعة الكئيبة ، استطاعت أن تحصي 300 ليلة كاملة، 300 ليلة تتذكر الغروب الكامل بهم. كان يمكنها أن تتذكر هروبها في الطرقات، اختبائها من العيون والنوافذ، حتى المرايا لا تطيل النظر بهم. أخرجت هاتفها المحمول وبدأت في الضغط على الأرقام المطلوبة...
هي: أهلا
صوت آخر: اهلا اهلا، هل من الممكن أن أعرف السبب العظيم وراء تشريفي بهذا الاتصال؟
هي: ما هذا! هل أصبح من الغريب أن أكلمك الآن؟
الصوت: نعم، هكذا أتفقنا، أو بالأحرى هكذا افترقنا، انا أظل كما أنا وأنت تصيري كما تريدين
هي: ولكننا لم نتفق أبدا على هذا الكلام! أنا لم أقل أو أتفق على هذا أبدا!
الصوت: دعينا من أن نقوم بحوارات طويلة ليست لها فائدة، أنت تشعرين تماما كيف أن كل شيء تغير، وتدرين تماما أنك أنت من أختار هذا وليس أنا، لقد كنت هناك من أول لحظة وكبرنا معا، وأخطائنا معا، وحلمنا وابتعدنا واقتربنا، حتى قررت أن التغيير هو سنة الحياة، فكان علي أن أتغير وهكذا جاء الاتفاق بأني أبقى كما أنا وأنت تصيري كما تريدين
هي: ولكنك تعرف أننا لن نفترق
الصوت: هذا الاتفاق يسبق أي أتفاق، نعم ..
هي: ماذا يحدث إذا
الصوت: لا أدري
هي: نعم .. لا أدري
تمر من أمامها سيارة مسرعة فتنظر إلى شاشة هاتفها المحمول من جديد لتتذكر أنها لم تتم الضغط على الرقم المطلوب. قل الشعور بالبرودة قليل ولو أنه خرج من قلبها وأنتشر في أنحاء جسدها. وقبل أن تضع الهاتف في جيبها من جديد لاحظت تاريخ اليوم، لم تمر ساعة واحدة ...
عادة إلى بيتها ومرت من تحت النافذة دون تردد ودخلت غرفتها ونظرت في المرآة المعلقة على الحائط طويلا وقلت بهدوء،
أظن بأننا بحاجة إلى أتفاق جديد..


Friday, February 20, 2015

الكتابة والشعر والحالة الإنسانية وال Digital signal processing


عند نقل موجة الصوت مثلا او الصورة من حالتها في الطبيعة إلى أي جهاز إليكتروني تفقد تلك الموجة جزء من شدتها أو شكلها الطبيعي. مثال واضح لذلك عندما نلتقط صور باستخدام أي كاميرا تفقد الصورة جزء من طبيعتها وتصبح أحيانا غير واضحة أو في أحسن الحالات ستكون الألوان بالطبع أضعف من الطبيعة فليس هناك ما يمكنه التقاط الطبيعة حتى أقوى الأجهزة. هذا الفقد يعود إلى أن الموجات في الطبيعة تختلف عن الموجات الموجودة في الأجهزة والتي تحتاج إلى طبيعة معينة وذلك لأن أي جهاز إليكتروني هو عبارة عن دوائر كهربائية لا تفهم الأولوان والأصوات ولكن تفهم الشحنات الكهربائية.
نترك الموجات ونذهب إلى الكتابة والحروف. أي شخص يقوم بكتابة أي عمل أدبي سواء سطور نثر قليلة أو كتاب كامل أو شيء يقوم بعملية تشبه نفس عملية نقل أو تحويل الموجات. هناك مشاعر معينة تسكن القلب ممزوجة بأفكار في العقل تدور وتدور تتأثر بذكريات الكاتب والمشاهد التي يراها بعينه والأشخاص الذين يحيطون به والبيئة التي يعيش فيها , كل ذلك يؤثر بطريقة أو بأخرى على أي كاتب يقوم بكتابة أي عمل. بالطبع تختلف تأثير هذه العوامل باختلاف العمل واختلاف الكاتب ولكن في نهاية كل كاتب يقوم بنقل "حالة إنسانية معينة" عن طريق موجات خاصة هي كتاباته. ولكن كحال الموجات هناك جزء يفقد في هذه العملية. فالحالة التي لدى متلقي هذه الموجات المكتوبة بالحروف تؤثر على تفسيره لما يقرأه وقد تكون الكتابات نفسها لم تنقل الحالة التي لدى الكاتب بشكل كامل.
تطور الأجهزة والتقنيات المستخدمة في أرسال واستقبال وتخزين الموجات هو ما يجعلها تتحسن مع الوقت والمفقود منها يقل. بالنسبة لي أفضل ما ينقل الحالة الإنسانية عن طريق الحروف هو الشعر. الشعر لديه قدرة هائلة على دمج العاطفة مع الأفكار مع البيئة مع الناس مع كل شيء. على حسب قدرة الشاعر يستطيع أن يخفي ذلك بين أبيات شعره فالعاطفة تصل إلى القلب فقط ولا يفهمها العقل والأفكار تصل إلى العقل وفي النهاية تصل إلى القارئ أو المستمع الحالة كاملة. بالطبع هناك جزء من الموجات سيكون مفقود فكما قلت دائما هنا فقد ولكنه يكون أقل في حالة الشعر. الشعر قد يبدوا بسيطا سطور قصيرة قليلة مرصوصة بموسيقى خفيفة ولكن الحقيقة أن كل حرف يحمل حالة كاملة لشاعره.
أظن بأن علي الآن أن ترك الموجات والأجهزة الإليكترونية وذلك لأن الحالة الإنسانية والشعر أيضا يتخطون ذلك بكثير. جمال الشعر في أنه لا يحمل فقط حالة الشاعر ولكنه يحمل ما يشبه شفرة أو مفتاح للعواطف والأفكار التي كانت يحاول الإنسان أن يخفيها عن نفسه. فتجد أن حالة الشاعر تجعلنا نفجر ما هو مختفي ونظهره علنا. فالأبيات تتسلل إلى القلب والعقل وتبقى هناك وتفتش في الماضي والحاضر ، تدخل إلى الجروح القديمة وتلك التي لم تلتئم بعد، تشاهد الابتسامات والدموع وتشارك في كل ذلك.  كما أن الشعر بعكس الموجات الأخرى لا يعرف معنى للزمن ولا المكان. فالشعر بعكس الكثير لا يتغير ولا يغادر ويرحل.

دائما ما أشعر بالسعادة وأحمد الله على أنه هناك شعراء مبدعون في هذا العالم ودوما ما تمنيت لو أستطيع أن أكتب شعر فأرسل بعض من هذه الموجات التي تحمل الكثير ... 

Thursday, January 15, 2015

مرض البطل


جلس في حديقة منزله كما تعود ووضع أوراقه أمامه على المنضدة وبدأ يكمل أحداث روايته. كان وصل لمنتصفها وكان بطل الرواية والشخصية الأساسية ,"مختار" وهو شاب مازال في البداية الثلاثين من عمره وهو جندي بالجيش سابق ولديه شركة تأمين خاصة ويقوم بالكثير من المغامرات المثيرة والمهام الخاصة مع الاحتفاظ بالجانب الإنساني في مساعدة من يحتاج إليه وخصوصا الضعفاء. وصلت أحداث الرواية إلى جزء ساخن جدا, تطورت في أحداث الرواية بشكل كبير وكان يظهر دور "مختار" البطولي...
فجأة ... يجد الكاتب "مختار" يضعف ويصبح وجه شاحب ويسعل بصوت عال وتتسارع الأحداث ويجد الكاتب بطله قد أصبح على فراش المرض وفقد كل بطولته. يتدارك الكاتب الموقف بسرعة قبل أن تحدث أي تطورات خطيرة فيضع خطوط سوداء قاتمة يخفي بها السطور التي بدأ فيها مرض بطل الرواية ويعيد كتابة هذا الجزء من جديد. ولكن شحوب "مختار" ومرضه يعود من جديد دون أي اختلاف. احتار كثيرا فيما يحدث أمامه على الورق. شطب على سطور المرض من جديد لعلها تختفي ولكن قبل أن يعاود الكتابة من جديد قام من مكانه وتحرك قليلا في الحديقة يتأمل في الشجر والورد من حوله. عاد من جديد للكتابة ولكن لا دواء لدائه أو بالأحرى داء "مختار". قرر أن يبدأ في كتابة الرواية من بدايتها ولكن بمجرد أن كتب الإهداء  باغته مرض مختار مع أول سطور الرواية، يضعف، يشحب وجه ويسعل ويمرض. من فرط ضيقه رمى فنجان القهوة الخاص به بعيدا.
قام بعد ذلك لإعداد فنجان جديد من القهوة ولكن في طريقه راعه منظر مخيف! وقف أمام المرآة في رعب
فآثار الضعف ظاهرة
والوجه شاحب
ويسعل بصوت عالي

يبدو أنه المرض...  

Wednesday, January 7, 2015

قصة طفلة



بدأ كل شيء عندما كانت تبحث عن الحياة وليس كما يعتقد الجميع بأنها تفر من الموت. برغم من صغر سنها إلا أنها أدركت حقيقة الموت وأنه لا مفر منه ولكن هناك دائما طريق للحياة. كانت تركض بخطوات أسرع من أن يدركها العالم ,تحمل أخيها على كتفها بثبات أم تحمل أبنها المصاب في المحرب نحو المشفى وبنفس قلق الأم أيضا وخوفها. كانت تقفز كما يقفز الأطفال في سنها ولكن قفزها كان فوق الحواجز، أو فوق الصخور باحثة عن حياة نتفجر من وسطها. سارت لأيام وأيام حتى وجدت ما تمنت أن يصبح بيت لها ولأخيها الصغير. وضعت أخيها وهمومها التي أصبحت أكبر بكثير من جسمها الصغير على جانب من تلك الخيمة التي لا تتعدى المترات القليلة وتتشاركها مع أشخاص شاركوها قصتها أيضا وإن اختلفت الأحداث. مرت الأيام بطيئة وكانت دائما ما تحتفظ بجزء كبير من طعمها –إن تمكنت بالحصول على طعام_ لأخيها الصغير فلا أحد يدري ما سيحدث غدا. حتى جاء الشتاء ببرودته التي ذكرتها بوحدتها وأفتقدها ليد أمها أو أبيها تمسح على وجهها فينتشر الدفيء بداخلها. لم تجد حضن أمها ليلا تنام بداخله لتختبأ من الأمطار والبرد وكل شرور العالم. فقط يديها الصغيرتين وأمامها كل العالم والآن جاء البرد. شعرت بقلق على أخيها فلم تجد حل إلا أن تخبأه بداخلها وكأنها تتمسك بالحياة من خلال أنفاسه. كان كل يوم يبدوا أكثر برودة من اليوم الذي يسبقه بالرغم من صغر سنها إلا أنها كانت تدرك أن تلك هي الطبيعة ولكن ما لم تفهمه هي وحدتها الباردة وبرودة البشر في هذا العالم. كانت ليلة كئيبة عندما أشدت الريح وقلعت سقف هذه الخيمة ولكن لم يكن هناك ريح قوية كفاية لتقتلع تمسك طفلة أصبحت أم بالحياة. كانت تشعر ببرد شديد ولكن صراخ أخيها يجعلها تنسى كل برد ولكن فجأة خانتها أعضائها، فجسدها مازال جسد طفلة فتغلب على عاطفة الأم والحياة بداخلها. بدأ جسمها يسكن بعد أن كانت ترتعش وبدأ جفنيها يثقلان وكانت نظراتها مثبتة على أخيها وكأنها تحاول أن ترسل له روحها حتى يكمل هو الطريق. كان بداخلها ذلك الأمل الذي لم يفارقها منذ أن تركت بيتها بعد القصف، ذلك الأمل الذي لم يضعف أو يتبدل رغم الأخبار التي كانت تتوالى عن القتلى كل يوم، الأمل أن ترى أبيها وامها وكأنهما ما زلا على قيد الحياة فتحملها أمها من وسط هذا الثلج وتحتضنها في رفق فيذوب كل البرد ويختفي استحياء من ذلك الحب ... نامت الطفلة في الهدوء في رحلة أكثر سلاما، عائدة إلى أبيها وأمها تاركة ذلك العالم والبارد وفي رقبته دين ثقيل...