Friday, May 1, 2015

نهار دائم

لو أن بيدينا الاختيار بين ليل دائم أو نهار دائم ماذا سيكون اختيارنا؟ 
....
كانت الاخبار تتولى أن هناك ظاهرة كبيرة تحدث وأن نجم صغير يقترب من مجرتنا العزيزة وأن هذا فيه تهديد للجنس البشري وأن النهاية تقترب بأقتراب النجم الذي سيدمر كل شيء. وفي اليوم الذي كان مقدر له أن يكون النهاية تفاجئ العالم كله ولو أن هناك كائنات أخرى تعيش على أي كوكب قريب لشاركت البشر مفاجئتهم فذلك النجم قد أنتظم بشكل ما في الدوران مع المجرة ولا تتوقف المفاجئة هنا بل أصبح للأرض نهاران فالشمس الأولى تغيب مع شروق الشمس الثانية والثانية تغيب بشروق الأولى! 
 في البداية كان الكثير سعيد بذلك الخبر فكل يوم هو نهار جديد وليس نهار واحد فقط بل أثنين، أصبح بإمكان الجميع العمل في نهار الأول ثم يعودوا لبيوتهم فيبدأو نهار آخر بعيد عن هموم العمل ومن فاته أن يفعل شيء في النهار الأول لديه فرصة أخرى في النهار الثاني. كانت الأمور تبدوا على ما يرام وأن العالم أصبح مكان سعيد أو على الأقل هكذا يبدوا... 
بدأت مظاهر التحول تظهر مع مرور الأيام وتعاقب النهار والنهار! بداية الأمر كانت بالشعر .. ببساطة لم يعد هناك شعر، يبدوا أن الليل كان موطن الشعر والشعراء فأصبحوا غرباء بلا مأوى ليس هناك من يضمهم ويجمع شتاتهم و أصبح الألم يدوم والجرح يطول وليس هناك ليل وقمر يهربوا فيه من أوجاعهم ببيوت شعرهم بدا اليوم وكأنه وجع لا ينتهي.. 
لم يتوقف الأمر عند الشعر بل بمرور الوقت بدت الناس أكثير عصيبة وكأن كل منهم يحمل هما عبأ ثقيل لا يخف بل يثقل كل يوم. لم يعد أحد يبكي ! هذه هي المشكلة .. تحول الجميع إلى ما يشبه أجسام مشبعة بشحنات كهربية لا تفرغ لذلك لجأ الجميع إلى العصبية والتوتر. كان الليل هو موطن الدموع بعد يوم صعب ينتظر الناس أن يتقدم الليل ليكي يتغطوا بظلمته ويطلقوا الدموع كما شاءت في ليل حتى هم لا يروا دموعهم. ولكن النهار الدائم يفضح ليس هناك مفر ولا غطاء ولا حد يستطيع أن يواجه الناس ولا حتى نفسه بدموعه فالجميع يتظاهر بأن البكاء والدموع هي للضعفاء ومن الأشياء التي لا يجب حتى ذكرها... 
كانت مصيبته أشد مصيبة أو على الأقل كان يرى هو ذلك فالليل كما اعتاد ان يقول هو فرصته الوحيدة في أن يراها. فهو ينتظر أن ينتصف القمر ويجمع من حوله  النجوم و كان على يقين أنه إذا رسم خطوط بين هذه النجوم يرى وجهها واضحا والقمر يضيء جانبه. والآن أختفى كل شيء ! كان يتابع الأخبار ويقرأ كل ما يستطيع قراءته لعله يصل إلى أي أمل أن صديقه القمر سيعود. لكن واضح أن كل طرق تؤدي إلى نتيجة واحدة النهار باق ! 
وصل صديق القمر إلى حد اليأس فبدأ كل يوم يتحدث إلى شمس النهار الأولى يترجاها أن تعيد له صديقه القمر وأنه صديق مشترك بينهم فهي التي تضيئه ليلا وأن القمر حدثه عنها كثير وبالطبع طلب من الشمس أن يعود الليل ولو مرة كل شهر لعله يرى وجهها مرسوم في السماء مرة أخرى. ولكن يبدوا أن الشمس كانت مشغولة بتلك التي تنفسها وتفسد ترتيبها تماما. لن يراها أبدأ ! لن يرى صديقه أيضأ !! 
بدأ يحاول أن يصنع ما يشبه ليله السابق فأظلم غرفته وبدأ يتخيل لو أن سقف غرفته هو السماء المظلمة ولكن بدون صديقه والنجوم. بدأ يشعر بأن الليل يعود فعلا , ولكن عندها تسلل شعاع نور أفسد عليه كل شيء. عندها صرخ أنه لا يستطيع أن يعيش على هذا الكوكب بعد الآن!
أستسلم مثل الجميع أن النهار باق ولكن لم يستطيع أن ينساها ووجهها التي ترسمه النجوم أو ينسى صديقه. كان يجلس كل يوم في شرفته الصغيرة عندما تدق الساعة الثانية عشر من منتصف الليل الذي لم يعد له وجود كان ينظر إلى السماء ويغلق عينيه ويتخيل أن القمر موجود والنجوم ويرى وجهها مرسوم في خياله ثم يجد القمر فيلقي عليه التحية كما تعود ويخبره عن كل شيء وأي شيء يخبره بهمومه وعن من رحلوا ومن أتوا ومن ينتظرهم ومن يخاف ان يرحلوا ويحكي له عن النهار الذي لا يختفي وعن وردته الصغيرة التي تنموا في الشرفة الآن وهو على يقين أنها مثله تفتقد الليل والقمر مثله تماما. يلقي على القمر الذي يلمع في خياله بكل همومه وأفراحه وأحزانه وأحلامه. ولكن دون أن تنزل أي دمعة فهو لا ينسى أن ذلك القمر هو في خياله وليس حقيقة وأن النهار مازال يفضح أي دموع سواء كانت ضيق أو حزن أو فرح أو حتى أمل كلها سواء في عين النور ، غير ممكنة ..... 
مضت الأيام وهموم الناس تزداد ومشاعر تضيق والشعر يندر والنهار مستمر ولكن بدأ تتاولى الأخبار أنه من الممكن أن تحدث ظاهرة أخرى جديدة ولكن لا أحد يريد أن يتعلق بأمل فالآمال اختفت مع الليل. الذي أكتشف الجميع أنه موطن لأشياء كثيرة ...
العالم أظلم ... أخيرا عاد الليل .. عاد القمر .. عادت النجوم وعادت الحياة. في تلك الليلة كانت الشوارع فارغة تماما .. أختفي الجميع .. لا أحد يرى .. فكل انسان الآن لديه قصة لم تروى و هم لم يفرغ و دموع لم تجري و شعر لم يخرج و وجه لم يُرى ... 
عاد لشرفته ولم يحرك نظره طوال الليل عن السماء حتى وإن أمتئلت بالدموع _السماء أو عينيه لا فارق.  

Saturday, April 18, 2015

عندما يتحول الدين إلى معركة


لا أظن بأني خرجت عن عالم قصص منذ وقت طويل في مدونتي ولكن أظن أحيانا هناك أمور تستحق حتى ولو أن الخيال أفضل ولكننا نعيش في الواقع.
لم أفهم أبدا المنطق من المناظرات، لا أفهم لماذا أحتاج أن أبذل لمجهود لأثبت أنك خطأ وأني على صواب. لا أفهم فكرة تحديد الخطأ والصواب بهذه الطريقة. والمصيبة أن نتعامل مع الدين بهذا المنطق وكأننا بإمكاننا تحويل الدين إلى النقاط محدودة نضع بجانبها صح أم خطأ.
لا أظن بأن هناك أي شيء يتغير بمنطق "المناظرات" فالأطراف كل منهم على موقف معين مستعد بحججه وحججه المضادة، كل طرف لن يتزحزح عن أنه على كامل الصواب وخصمه هو عين الخطأ والمشاهدين لتلك المناظرة حسموا أمرهم من البداية، هم فقط يريدون أن يسمعوا ما يريحهم ويجعلهم يرتاحون من أي سؤال قد يؤرقهم في الليل. كل طرف سيرى أن أدلته كانت أقوى وأوضح وأن الطرف الآخر أضعف وأكثر جهالا.
الفكرة ليست أثبات الصواب والخطأ، فنحن لن نصل أبدا إلى معرفة ذلك مهما حاولنا فدائما ما سيكون هناك نسبة خطأ ولكن يمكن تداركها بالمحاولة الدائمة للوصول إلى الحق. ما نحتاجه هو حوار، ما نحتاجه هو كل طرف أن يشرح كل ما يؤمن به في البداية وبعد ذلك نبدأ نرى المتشابه والمختلف وفي النهاية ليس هناك أنت على خطأ وأنا على صواب بل أنت أخترت ذلك وأنا اخترت هذا، انت على علم بما أؤمن به وأنا على علم بما تؤمن به ولكل منا حق الاختيار في النهاية. المعارك يختلط فيها كل شيء بل أحيانا ننسى لما بدأنا الحرب. لن يعترف احد ابدا في منتصف المعركة أنه تعرض لهزيمة، لن يقول طرف انا لست على يقين من هذه النقطة وبحاجة إلى مراجعة وأني أخطأت عندما قلت كذا.
أظن بأن أكبر المشاكل التي تواجهنا هي ثقافة الخوف من طرح الأسئلة، الخوف من عدم إيجاد إجابات كافية، بداخل كثير منا هذا الخوف وأظن بأن المعتاد هو أن يدفن هذا الخوف ومعه جميع التساؤلات على مسافات بعيدة وكأن الدين هو تعاليم ثابتة تورث مع الزمن. ما حدث هو أن كل دين أصبح له فريق يقوم بتوريث أفعال وأفكار ثابتة وبدأت المعارك تدور على هذه الثوابت التي في الأغلب بعيدا عن حقيقة الدين أو هي فروع منه. انه بحاجة إلى طرح العديد والعديد من الأسئلة لأنفسنا قبل غيرنا بحاجة البحث والتفكير وبعد ذلك نبدأ في حوار وليس معارك.

في النهاية أظن  بأننا لو حاولنا أن نتحاور مع غيرنا ونتعرف على حقيقة الأديان والمعتقدات سنجد أن نقاط الاختلاف والاتفاق واضحة وليس لها صلة بالصواب والخطأ بل في النهاية ستكون قرار شخصي بما تراه أنت صواب وما تراه خطأ وما تصدق أنت به ولا تصدق به ، ما تقتنع به وما لا تقتنع. لذا نحن لسنا بحاجة إلى من يقوم بمعارك من أجلنا ليثبت أننا الحق بل حاجة إلى حوار ولكل منا الحق في الاختيار. 

Friday, April 10, 2015

سيرحل


" انا همشي كام يوم."
"طيب."
لم تفهم ما حدث. وتعجبت أكثر أن ينتهي كل شيء بسبب شجار سخيف ويقرر أن يتركها ويرحل. وهو لن يتركها هي فقط بل وهي الطفل الذي ينمو في أحشاءها. هما لم يتحدثا منذ يومين. كان شجارا عاديا وكانت تظن أنه سيمر عدة أيام ثم يعود كل شيء إلى سابق عهده. هذه ليست المرة الأولى التي يتشاجرا فيها وليست الأكبر حتى .. إذا ماذا حدث؟ّ!
بالتأكيد هو الملل. هذه هي طبيعة الحياة عندما يمل الإنسان من شيء يتركه ببساطة. كمن بدأ في قراءة كتاب وبعد عدد من الفصول يشعر بالملل ويتركه أو من يشاهد فيلم أو مسرحية أو حتى يلعب لعبة عندما يشعر بالملل يبحث عن غيرها. الملل داء كصدأ الحديد الذي يجعله يتآكل حتى يسقط أو ربما يرحل. ربما شجارنا اليومي أصابه بالملل.... ولكنه يقرأ الكتاب لنهايته حتى ولو أصابه الملل ، نعم كان من الممكن أن يتحدث معي بشأن مشكلة ما أو لو شيء جعله يشعر بالملل فحتى لو كنا نتشاجر في الصباح فلا تمر ساعات قليلة إلا وتأتي جلسة القهوة في المساء وقد تبددت كل الغيوم ... لا لا ليس هو الملل.
بالتأكيد هي "صديقته" الجديدة في العمل. هو يقول أنها مجرد زميلة وأنها الظروف هي التي جمعتهم ولكن نظاراتها ليست نظارات زميلة ولا تخص العمل حتى. بالتأكيد أقنعته واحتالت عليه كالتاجر الذي يريد بيع بضاعة فاسدة بأعلى سعر ، أقنعته أن يجرب البضاعة الجديدة حتى ولو "كام يوم" فقط. لم أرتح لها منذ اخبرني بشأنها. فهو يقضي ساعات طويلة في ذلك "العمل" والوقت يغير أي شيء، مع الوقت الماء يجري في الصخر! ولكن مهلا لا ينبغي أن أكون هذا النوع من الزوجات. فهو الذي أخبرني بشأنها بل وأصر بالرغم من رفضي التام أن أتي معه في العشاء الذي أٌقامه مديره في العمل لأتأكد بنفسي أنه ليس هناك ما يدعوا للشك. كما أني أظن أنه بالشجاعة الكافية ليخبرني لو أنه حدث أمر مماثل.
إذا بالتأكيد شعر بالخوف مع تقدمي في الحمل وزيادة المسئولية. أي زوج قد يخاف من مسئولية مماثلة. فالطفل يعني مصاريف زائدة وبالتأكيد شعر بأني سأتحول من حبيبته إلى أم أبنه وربة البيت وطباخة البيت وشغالة البيت أيضا! بالتأكيد أراد أن يهرب من هذا الكابوس ولعله يبحث عن بداية جديدة. كما أننا تأخرنا في هذا القرار ولعله تعود على أن نكون نحن الأثنين فقط معا. ولكننا أتخذنا ذلك القرار معا أيضا. وكان كلانا يشعر حقا أنه الوقت المناسب وأنهم على أتم استعداد لهذه الخطوة الهامة وأنه لا ينبغي أن يتحول الأمر إلى كابوس مثل كثير من الناس بل شعروا أنهم بحاجة إلى طفل صغير بعنين واسعتين يخفف أنهم همومهم. ما المشكلة إذا؟
ظلت تستعيد كل شجار وكل جملة هي وهو قالوها وكل موقف حدث طوال السنين الثلاثة الفائتة. لم تستطيع أن تتوصل إلى سبب مقنع لذلك مالت إلى أنها الخيانة ... لذلك شعر بتهديد كبير ولم تجد سوا حل واحد فقط .....
كان الوقت تأخر وقد سهرت حتى وقت متأخر تراقبه فهدوء وعندما توجه إلى غرفتهما توجهت خلفه وهي تخفي شيء وراء ظهرها.
وعندما شعر بها تدخل الغرفة وجدته يحرك شفتيه ليقول لها شيئا:
"حبيبتي انا همشي بكرا الصبح بقى زي ما قلتلك عشان متاخرش على ماما. الفرح هيكون بدري وانا هوصلها هي والعيال. عايزة حاجة وانا جاي؟"
" آه الفرح ! لا حبيبي عايزة سلامتك..."

خرجت من الغرفة وهي تبتسم كطفل كان على وشك أن يرتكب مصيبة ولكن الأمور سارت في صالحه وحالت دون أن يتم مصيبته ووضعت السكين في مكانها في المطبخ ثم عادت إلى الغرفة لتنام في هدوء كالملائكة....  

Friday, March 27, 2015

تعديلات بسيطة

تعديلات بسيطة
السمسار: هذه هي الشقة كما طلبتها... الآن أخبرني بأي تعديلات تريدها حتى نتم البيعة.
المشتري: الشقة تعجبني ولكن هناك بعض التعديلات التي أحتاجها وأرجوا أن تتحملني في طلباتي الغريبة وفي النهاية أنا دفعت أعلى إيجار يدفعه أي شخص في هذه المنقطة.
السمسار: ليست مسألة مال يا أستاذ، أطلب ما تريد وسأنفذ في الحال.
المشتري: حسناً، أظن بأن المطبخ جيد، هو فقط ينقصه أدوات عمل القهوة وتلك سأتكفل بها. غرفة المعيشة جيدة وتبدوا مريحة ومناسبة جدا لجلسة مع الأصدقاء، بمجرد أن أجد البعض. أما عن غرفة النوم فهي ستكون الغرفة الخاصة بي، لا أريد أن يكون بها فراش، أريكة مريحة ستفي بالغرض، فأنا لا أحب أن أنام إلا وأنا متعب بشدة لعله هروبا من أفكاري ولكن صدقني ليس هناك أسوا من أفكار تطاردك في فراشك، فليس هناك مفر منها إلى أن يأتي الصباح وتحاول من جديد ولكن عندها ستكون خسرت ليلتك كلها لذلك أفضل عدم النوم إلا وأنا متعب ولكي أتأكد من ذلك لا أريد فراش في الغرفة. من الجيد أن غرفتي بها نافذة كبيرة وشرفة فتلك من الأشياء الضرورية كما طلبت منك سابقا. هناك شجرة تطل عليها النافذة، شجرة كبيرة بها أغصان عديدة وأحد هذه الأغصان متعلق بالنافذة ويعيش عليه طائر صغير مع صغاره، لا تفكر في إزالة هذه الشجرة فبرحيلها سيكون رحيلي أنا أيضا. أريد أن تضع مكتبتي العزيزة مقابلة للنافذة والشرفة حتى تكون في اتجاه الريح لعلها ترسل بعض الكلمات في رسائل خفية مع الريح لمن تريد وأيضا ليس هناك أسوا من كلمات محبوسة على الرفوف أو في الصدور لذلك أفضل أن تكون الكتب في اتجاه الريح فهي كالريح حقا. أريد لمكتبي أن يكون مقابل لذلك الحائط فتكون المكتبة على يساري والنافذة على يميني لكي أراقب الطيور طوال جلستي، وأريد أن تضع المكتب بحيث أري الغروب ولا أرى الشروق، فشروق يجعلنا نشعر وكأن النهار لن ينتهي ثم نتفاجئ بالشمس تغرب، البدايات تجعلنا لا نقدر أي شيء ، أريد أن أرى الغروب لكي أقدر كل دقيقة في النهار، بل كل ثانية ، حتى وإن أمتد النهار إلى ما لانهاية أريد أن أقدر كل ثانية في هذا الوقت، أريد أن أقدر من جاءوا ومن رحلوا ومن بقوا ومن أنتظرهم ، ومن سيرحلون ، لا أحب أن أشعر بالندم يوماً، هل جربت ذلك الشعور؟ أن تود لو أن الأمور كانت غير حالها؟ في الأغلب سيكون أنك لم تقدر ما هو في يدك حتى فقدته، لأنك اغتررت بالشروق فلم تتوقع الغروب، سيذكرني الغروب كل يوم كل ما احب سيكون الغروب والنهاية هي البداية. وأرجوا أن تجعل النافذة تُفتح بحيث يهب الهواء من وقت لآخر فيبعثر الورق على مكتبي لعله يعيد ذاكرة قديمة قد نسيتها أو بالأحرى حاولت وفشلت، لعل ورقة تفر من فوق المكتب العتيق إلى الشارع وتطير وتذهب إلى من كتبت لأجله ولم أرسلها أبدا، أو تتجمع بعض الأوراق التي كتبتها في مناسبات مختلفة تفاجئني بقصة كاملة جديدة، ولكن أرجوا ألا يتكرر ذلك كثيرا لأنه سيكون أكثر مما أتحمل وانت تعلم أنه لا يوجد أشد من ذكريات تفاجئك من وقت لآخر. أظن أن آخر تعديل سيكون غريبا بعض الشيء لا أريد أن يكون هناك أي أقفال على الباب الخارجي، لعل الغائب يعود يوما ما من سفر بعيد فربما يطرق الباب وأتأخر على الرد أو لا أسمعه ومن فرط تعبه يرحل دون ان أعلم أنه تذكرني حتى، لا أحب الأقفال ولا أحب أن أشعر أني محبوس. ونسيت شيئا أريد المكتب أن يكون مواجه لباب أيضا أو على الأقل جلستي تسمح لي بأن أراقب الباب لأن لدي هواية بتخيل بعض الوجوه تدخل من خلال هذا الباب ولذلك أيضا تركت الباب مفتوحا. لا بأس في وضع جهاز تلفاز وجهاز راديوا في غرفة المعيشة. وأريد خزانة صغيرة بجانب النافذة أضع فيها طعام للعصافير التي أنوي مصادقتها.أظن بأن هذه هي التعديلات التي اطلبها الآن.
السمسار: حسنا حسنا، كل طلباتك مطاعة ولكن انت تتحمل تبعة هذه التعديلات.
المشتري: أرجوا أن تتم التعديلات قبل الليل حتى أستقيظ من النوم وكل شيء على ما يرام. أما عن هي تبعات فالقد تحملتها بالفعل فهذه هي الطريقة التي أعيش بها منذ سنوات.
أستيقظ المشتري من نومه على الكنبة بعد أن سهر ليلة طويلة أمام أحد كتبه ولكن تفاجئ بأن جميع محتويات الشقة قد سرقت. ولكنه لاحظ أن جميع الأوراق مازالت موجودة على المكتب فقال لنفسه أن يبدوا أن كتاباتي لن تفارقني يوما وتمنى لو أنه سارقها مع باقي الأشياء لعلها تسافر بعيدا عنه وتصل ولمن كتبها له. كان أول شيء يطمئن عليه هو مكتبته فوجدها كما هي فقال نفسه أن السارق قد نجى. وجد رسالة من السارق مكتوب عليها:
"عزيزي الكاتب: أغلق بابك جيدا، لا تفتح الباب للغرباء، المسافر الذي لا يمتلك مفتاحا للباب ولا يمتلك الصبر لا يستحق أن تترك له الباب. وذلك درسا صغيرا لك .
تحياتي "
أبتسم ابتسامة صغير وكتب تحت الرسالة:
"عزيزي السارق: أعلم أنك ستعود الليلة لكي تتأكد من أني قد تعلمت الدرس. أنت أحمق ولا تفهم حقيقة الانتظار بل لا تفهم حقيقة الحياة فالباب سيظل مفتوحا مادام هو مسافر..."
ثم جلس في الشرفة بعد أن أعد لنفسه فنجانا من القهوة وكان القمر يلمع في السماء والناس قليلة تمر في الطريق ووسط مجموعة من الذكريات والأحلام قال لنفسه:" لم يسرق كل شيء، لعله يعود يوما...". جائه كثير من الزائرين المفاجئين وزراته كثير من الذكريات والعصافير وأحيانا السارقين وكان الغروب والقمر والقهوة والكتب والورق والكلمات على موعدها معه وهو ينتظر ..


Tuesday, March 24, 2015

خطواته الأولى

كان يخطوا خطواته الأولى وهو حذر ألا يسقط وعيني أبيه وأمه مثبتة عليه، ولكنه لم يكن مدرك ما يخطوا نحوه
كان يرى كل شيء باللون الأبيض ولكنه لم يدرك بعد أنه قد وُلد بمشكلة في نظره
هو لم يكبر بعد، لم يغادر بيته ولا غرفته ولا ألعابه ، مازالت طفولته تحيط به كما هي بداخله
ولكنه عما قريب سيكبر ، بالنسبة له كل الخطوات حتى وإن تخطت الملايين هي أولى خطواته
عما قريب سيكبر ولكنه سيرى كل شيء باللون الأبيض كمان كان
عما قريب سيكبر ولكن أحدا لم يحذره من أن عما قريب ستتلاشى طفولته من حوله وتبقى بداخله تشعره فقط بالوحشة. 
سقط في الخطوة الثالثة ولكن أمه التقطته سريعا وهي تحمله وتدور به في سعادة تكفي العالم كله ، عما قريب سيكبر وسيقط في أحدى خطواته ... 

Saturday, March 21, 2015

وجوه


نرى أعداد كبيرة من الوجوه يوميا، أحيانا تكون بالعشرات وأحيانا تصل إلى مئات. هناك بعض الوجوه المألوفة وأخرى غريبة. بعض الوجوه تجعل قلبك كفراشة في فصل الربيع وأخرى تجعل الخريف يشتد. وجوه تبدوا مألوفة دون أي سبب واضح وتحاول جاهدا أن تتذكر كيف تعرف هذا الوجه, وأخرى من المفترض أن تكون مألوفة ولكنها شديد ة الغرابة. بعض الوجوه نظل نبحث عنها في كل وجه نراه مع أننا على تمام العلم أن تلك الوجوه لن تظهر هنا ، لن تظهر الأن ، والأسوأ ألا تظهر أبدا، ولكن ذلك لا يمنعنا أبدا من أن نتخيل أن الوجه الذي سيظهر من خلف الباب المغلق هو الوجه الذي طالما انتظرنا ليالي وليالي.
شيء عجيب أن البشر بالمليارات ومع ذلك وجوههم تختلف حتى وأن كان هناك بعض الشبه. ولكن الأعجب أن أيضا أن ملاح الوجه لا تتحدد فقط بتلك الصفات الظاهرية ولكنها تتشكل مع الوقت ، لعلها الروح تضفي تأثيرها ولكن الأكيد بأن الوجه يختلف مع الوقت ولا أعني تأثير الزمن الذي لا مفر منه. ولكني أتحدث عن ذلك التغيير الذي يجعل وجوه من نحب تزداد جمالا كل يوم، ذلك التغير الذي يزرع تلك الملامح ليس داخل الذاكرة بل في أعمق نقطة في القلب حيث تجتمع الذكرى مع الصورة مع كل شيء. نعم ، ذلك التغيير الذي يجعل الوجوه المألوفة تبدوا مألوفة حتى وإن افترقنا لأعوام الطويلة ، حتى وإن لم نرى تلك الوجوه لسنين بل وفرقت بيننا المسافات ربما ستختفي تلك الصورة الموجودة في العقل صورة ملامح الوجه ، المسافة بين العينين مثلا ولكن هناك صورة أخرى باقية لا تتزحزح وهي تأثير تلك العنين. بطريقة أو بأخرى سيقوم الوقت بفعلته ، ستظهر الخطوط على الوجه ، ستثقل العنين من هم أو حزن أو حتى فرح ، ستتغير شكل الابتسامة ، سيتغير لون الشعر ولكن خلف كل ذلك هناك صورة ثابتة لا تتغير فخلف كل خط قصة ضحكة طويلة او بكاء طوال ليلة كاملة ، خلف ثقل العينين سهر ليالي ، خلف الشعر الأبيض مشاوير طويلة ، وخلف كل ذلك ملامح وجه آخر كان يراقب كل ذلك في هدوء وربما في خفية أيضا كان يراقب ويسجل لذلك عندما يبيض الشعر وتنتشر الخطوط لن يراها بل سيرى ما وراءها.
وجوه الأطفال عالم آخر منفصل تماما، وجوه صغيرة تذكرنا كيف أن كل شيء في النهاية صغير. كيف أن الإنسان يبدأ حياته بوجه حجمة لا يتعدى كف يد وأنف في حجم عقلة أصبع. وجوه جميلة تشبه في جمالها جمال السماء أو الكون. تجده مرة يبتسم وفجأة يمطر دموعا وسريعا ما ينام في هدوء حتى يأتي الصباح ويفتح عينيه الصغيرتان في هدوء.

أظن بأن هناك وجه مازال ناقصا، أظن بأني كنت أحاول أن أهرب منه كما نحاول جميعا. نهرب منه في الرحلات البعيدة، في ليالي الأرق الطويلة، في الانتظار على باب غرفة العمليات ، في صالة الوصول في المطار، بجانب الهاتف ، على جانب الطريق والسيارة معطلة، أمام الشركة وأنت تحمل خطاب الإقالة، عندما تجد فجأة أن جميع المقاعد أصبحت خاوية إلا مقعد واحد، عندما تنظر إلى الحائط الزجاجي في المقهى بالخطأ، عندما تنظر في مرأة السيارة الأمامية وترى انعكاس عينين حائرتين، عندما تمطر طوال اليوم وتنظر إلى بركة الماء المتجمعة أمام المنزل، عندما تنظر إلى شاشة الكمبيوتر وقد أغلقت لأنك ظللت تنظر إلى الحائط لساعات ثم تسقط عينيك بالخطأ على الشاشة فترى الانعكاس الذي طالما هربت منه ، ترى الوقت يمر ، ترى كل قرار اتخذته ، ترى جميع الوجوه التي تعرفها ، ترى الهموم والمخاوف ، ترى كل شيء .... ترى ملامح وجهك ويبادرك بسؤال صعب "هل وصلنا بعد؟" ... 

Tuesday, March 10, 2015

رسالة



ابنتي العزيزة،
اعلم تمام العلم بأن الخبر كان أليما عليك حتى وإن حاولت أن تخفي ألمك بين صفحات عينيك اللامعتين. لكن سفري لم يكن باختياري تماما كما كوني أمك وكونك أبنتي لم يكن باختيارنا ولكن هكذا وجدنا أنفسنا وسط هذا العالم. ولكن علي أن أكون صريحة معكي فأنت لم تكبري وحدك كما يظن العالم، بل كبرنا سويا. كنت حين تمرضين أمرض معكي وتمر الساعات بطيئة أراقب عينيك وهي تغزل داخل قلبي وصلات لا تنقطع إلى قلبك. وكأننا نتقابل كل يوم من جديد وكأن كل صباح أتفاجئ من جمال عينيك وكأني أرى هذا الجمال لأول مرة على الأرض....
لا أخفي عليك أني خائفة من السفر وحدي بالرغم من هذا ما أعتد عليه قبل مجيئك ولكني كما أقول لكي بأني كبرت معكي مثلما أنت كبرتي تماما. ستمر الأيام في سفري بالتأكيد لن تتوقف كما يعتقد كلانا الآن. ولكني على تمام اليقين بأننا سنرى كل شيء بطريقة واضحة وكأننا نرى جمال كوكب الأرض من الفضاء لا يظهر فساد البشر عليه. ستقابلين كثير من الأصدقاء بالتأكيد ولكن مهما حدث ستظل الوصلات التي غزلت قلوبنا معا قائمة مهما ابتعدنا. ستظل قائمة مهما ابتعدنا حتى نتقابل من جديد. لأن هناك بعض الصلات التي تظل قائمة للأبد كعينيك والقمر. قد لا تفهمين دوافع سفري الآن ولكن أرجوا أن يكون بداخلك ذلك الصوت الذي طالما كان موجودا ونحن نسافر في زمن هذا الكوكب. أحيانا المسافات تقرب أكثر مما نظن ...
وبالتأكيد يا عزيزتي ٍسأظل أحبك كأول يوم رأيت عينيك وهي تلمع في وجهك الأحمر الصغير وأنا أحملك في كفي ...